البلاسة والبلاغة… صخب أم أثر !!

بقلم: د. أحمد بن سعيد الغامدي

في المشهد الاجتماعي اليوم، يتداخل صوتان لا يلتقيان إلا ليتباعدا،، صوت “البلاسة” الذي يثرثر دون وعي أو مسؤولية، وصوت البلاغة التي تزن الكلمة بميزان الحكمة والمعرفة. وبينهما تُقاس قيمة الإنسان، لا بما يقول فقط، بل كيف يقول، وما الذي يضيفه حضوره للناس وللمواقف.

البلاسة ليست مجرد كلمة دارجة فحسب،، إنها سلوك يتخفّى في هيئة رأي، لكنه في الحقيقة فراغٌ صوتي لا يحمل معنى ولا يبني فكرة. هو تدفّق حديث لا يستند إلى معرفة، ولا يضبطه أدب، ولا يقوده هدف. يتحدث صاحبها كثيرًا، لكنه لا يقول شيئًا. يظن أن ارتفاع الصوت قوة، وأن كثرة الكلام تأثير، بينما الحقيقة أن الضجيج لا يصنع هالة، ولا يمنح صاحبه وزنًا بين العقلاء.

أما البلاغة، فهي نقيض هذا كله. البلاغة ليست زخرفة لفظية، بل قدرة دقيقة على وضع الكلمة في موضعها، واختيار المفردة التي تشبه الموقف وتشبه صاحبها. البلاغة أخلاق قبل أن تكون أسلوبًا، وعمق قبل أن تكون إيقاعًا. المتكلم البليغ لا يحتاج أن يرفع صوته،، بل يكفي أن يرفع مستوى فكرته. ولا يجتهد ليُبهِر الناس، بل ليُنير لهم الطريق.

في كل مجلس، وفي كل مجموعة، وفي كل بيئة عمل، نستطيع بسهولة أن نرى الفارق بين الاثنين،، من يملأ الوقت بكلامٍ عابر، ومن يملأ العقول بفكرة. من يتصدر المشهد بلا سبب، ومن يترك أثرًا بلا ضجيج. من يركض وراء كل موضوع، ومن لا يتحدث إلا حين تكون كلمته إضافة لا تكرارًا.

الفرق بين البلاسة والبلاغة ليس في الموهبة، بل في نية المتحدث واحترامه للكلمة. فالكلمة مسؤولية،، ترفع صاحبها أو تهبط به. ومن لا يحترم حضوره لا يحترم حديثه، ومن لا يملك بلاغة الحكمة سيكشفه أول موقف يطلب منه أن يسكت قليلاً ليفكر كثيرًا.

في زمنٍ تتسارع فيه الكلمات وتتضخم فيه الضوضاء، نحتاج أن نعود إلى أصل البلاغة قولٌ صادق، وفكرة ناضجة، وأسطرٌ تليق بأثر صاحبها. أما البلاسة… فستبقى كما هي،، ضجيجًا يملأ لحظة ولا يبني معنى.

ويبقى الامتحان الحقيقي لكل واحدٍ منا هل نريد أن نكون مجرد “أصوات” أم “أثرًا” يظل حاضرًا حتى بعد انتهاء الحديث.

اترك رد

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top