عبد القادر المهيدب… حين تتحول القيم إلى إرث وطني، وتواصل سارة المسيرة

بقلم : عاطف بن علي الأسود

في قراءة التجارب القيادية المؤثرة، لا يمكن فصل الحاضر عن الجذور، ولا النجاح عن المدرسة التي صاغت القيم الأولى. بعض القيادات لا تصنعها المناصب بل تُنضجها البيوت، وتُهذّبها العائلة، وتُصقلها التجربة. ومن هذا المنطلق تبرز تجربة سارة بنت عصام المهيدب، بوصفها امتدادًا طبيعيًا لمسار عائلي عريق بدأ مع الشيخ عبد القادر المهيدب – رحمه الله – وترسخ مع أبنائه ليصل اليوم إلى جيل جديد يمارس القيادة بهدوء ووعي ومسؤولية.

لقد كان الشيخ عبد القادر المهيدب – رحمه الله – أكثر من مجرد اسم في سجل الريادة الاقتصادية، فقد مثل نموذجًا وطنيًا نادرًا في العطاء وترسيخ القيم والالتزام بالمبادئ. لم يكن حضوره في المجتمع قائمًا على الثروة وحدها، بل على المعنى الذي يمنحه للنجاح، وعلى القناعة العميقة بأن المال وسيلة للبناء لا غاية، وأن التجارة الحقيقية هي تلك التي تترك أثرًا إنسانيًا قبل أي مكسب مادي.

تميز الشيخ عبد القادر – رحمه الله – بنهج متزن جمع بين الصدق في التعامل، واحترام الإنسان، وتحمل المسؤولية تجاه المجتمع. وهذه القيم لم تبقَ في حدود الممارسة الشخصية بل تحولت إلى ثقافة عائلية راسخة، انتقلت من جيل إلى جيل، وأصبحت جزءًا من الهوية الأخلاقية لعائلة المهيدب. ومن هذه المدرسة تشكّل الأبناء وتربّى الأحفاد على أن المكانة لا تُكتسب بالاسم، بل تُصان بالفعل، وأن القيادة ليست امتيازًا بل أمانة.

هذا الإرث القيمي لم يتوقف عند حدود الجيل المؤسس، بل استمر حيًا وفاعلًا حتى الجيل الحالي، المتمثل في حفيدته سارة عصام المهيدب، التي حملت هذه المبادئ إلى فضاء العمل المؤسسي الحديث. وقد انعكست تلك القيم في سلوكها القيادي، وفي اختياراتها المهنية، وفي رؤيتها للعمل الاجتماعي بوصفه التزامًا وطنيًا لا نشاطًا هامشيًا. وهي بذلك لا تمثل امتدادًا اسميًا للشيخ عبد القادر – رحمه الله – بل امتدادًا فكريًا وسلوكيًا لمدرسة العطاء التي أسسها.

سارة المهيدب لم تدخل المجال العام من باب المجاملة أو الاسم، بل عبر مسار تعليمي ومهني واضح. درست التسويق بوصفه علم فهم الناس قبل أن يكون أداة بيع، ثم خاضت تجربة مصرفية مهمة داخل المملكة وخارجها، ما منحها قدرة عالية على قراءة الاقتصاد، وإدارة العلاقات، والتعامل مع المؤسسات بثقة واحتراف. هذه المرحلة شكلت الأساس التقني لشخصيتها القيادية، لكنها لم تكن الغاية.

التحول الحقيقي في مسيرتها تجلّى حين انتقلت إلى العمل الاجتماعي المؤسسي من خلال قيادتها لمؤسسة عبد القادر المهيدب لخدمة المجتمع. هنا تلاقت الجذور مع الرؤية؛ فاسم المؤسسة لم يكن مجرد تكريم للراحل، بل التزام عملي باستمرار نهجه. وقد أعادت سارة تعريف العمل الخيري بوصفه قطاعًا تنمويًا له حوكمة واستدامة وأهداف واضحة، وليس مجرد مبادرات موسمية.

تحت قيادتها ركزت المؤسسة على الطفولة المبكرة والتعليم وتمكين الأطفال ذوي الإعاقة، إدراكًا منها أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان في سنواته الأولى. ولم يكن هذا التوجه عاطفيًا فحسب، بل مبنيًا على فهم عميق للتنمية، وقناعة بأن المجتمع القوي يبدأ بأسرة مستقرة وطفل متعلم وبيئة حاضنة.

حضور سارة المهيدب في المجالس واللجان الوطنية ثم تمثيلها في غرفة الشرقية لم يكن انتقالًا من العمل الاجتماعي إلى الاقتصادي فحسب، بل تتويجًا طبيعيًا لتجربة تجمع بين الاثنين، وهو ما تأكد مؤخرًا بصريح القرار الرسمي، حيث صدر قرار معالي وزير التجارة بتعيينها عضوًا في مجلس إدارة الغرفة التجارية بالمنطقة الشرقية للدورة القادمة (1447–1451 هـ)، تتويجًا لقدرتها وكفاءتها في شغل هذا المنصب. فهي بذلك تمثل نموذجًا للقيادة التي تدرك أن الغرف التجارية لم تعد منصات أعمال فقط، بل شركاء في التنمية ومسؤولين عن بناء اقتصاد متوازن يخدم الإنسان قبل الأرقام.

إن وجودها في غرفة الشرقية يضيف بعدًا نوعيًا يتمثل في ربط القطاع الخاص بالمسؤولية الاجتماعية المؤسسية، وتعزيز مفهوم أن التنمية الاقتصادية لا تنفصل عن الاستقرار الاجتماعي. وهي في ذلك تعكس إرث عائلة المهيدب، التي لم تنظر يومًا إلى المجتمع بوصفه عبئًا، بل شريكًا في النجاح.

ما يميز تجربة سارة المهيدب هو أنها لم تقطع صلتها بالجذور وهي تتقدم للأمام. فقد حملت معها قيم الشيخ عبد القادر المهيدب – رحمه الله – وحكمة الأب رجل الأعمال عصام المهيدب وخبرة المؤسسة، لتصوغ نموذجًا قياديًا هادئًا، بعيدًا عن الاستعراض، قريبًا من العمل الحقيقي؛ نموذج يؤمن بأن القيادة ليست صوتًا مرتفعًا، بل أثرًا ممتدًا.

إن سارة المهيدب في حضورها الهادئ وقيادتها المتزنة وقدرتها على الربط بين الاقتصاد والتنمية تُجسد التحول الطبيعي للقيم حين تنتقل من جيل المؤسس إلى جيل المؤسسة. فهي نموذج يؤكد أن العائلات الوطنية الراسخة لا يُقاس أثرها بزمنها، بل بقدرتها على إنتاج قيادات جديدة تحمل القيم ذاتها بلغة العصر وأسلوب العمل الحديث.

وفي زمن تبحث فيه المؤسسات عن قيادات تجمع بين الأصالة والحداثة، وبين الاقتصاد والإنسان، وبين القيم والحوكمة، تبرز سارة عصام المهيدب بوصفها امتدادًا ناضجًا لعائلة صنعت الفرق وما زالت تواصل صناعة الأثر جيلاً بعد جيل.

اترك رد

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top