( ثقافة المقارنة )

بقلم : محمد الشهري

في وقت مضى كان الإنسان يقيس نفسه بدائرته القريبة من أقارب أو جيران أو زملاء العمل، وكانت المقارنة محدودة وواقعية قابلة للفهم، أمّا اليوم فقد تحوّلت تلك المقارنات إلى طوفان تقوده مواقع التواصل الاجتماعي، يعيد تعريف الحياة في صورة مُفلترة أو مقطع خاطف. ويختزل فيه الوهم الواقع كله في ثوانٍ قابلة للمشاركة.

المصيبة أن مواقع التواصل لا تعرض الواقع كما هو، بل نسخ مزورة مُنتقاة بعناية. فالناشر لا ينشر فشله، ولا تعبه، ولا لحظات ضعفه. فلا يظهر لنا إلا اللقطة الأخيرة فقط، فيتآكل الرضا الداخلي حين يقارن الإنسان حياته اليومية بكل هذه الواجهات البراقة، فيشعر دون وعي بأنه متأخر أو تعيس أو فاشل، ويتحول الامتنان لما يملكه إلى شعور بالنقص عمّا يفتقده، رغم أن المقارنة في جوهرها جائرة وغير عادلة، لأنها مقارنة بين واقع كامل وواجهة مُعاد إخراجها.

أخطر ما صنعته مواقع التواصل هو ربط القيمة الذاتية برأي الآخرين. فالإعجاب أصبح مكافأة نفسية، والتجاهل أصبح عقوبة صامتة. شيئاً فشيئاً، يفقد الإنسان بوصلته الداخلية، فلم يعد يقيس نفسه بميزان رضاه عنها، بل يهتم برأي الآخرين فيه، وهذا التحوّل يجعل الرضا هشّاً، مؤقتاً، مرهوناً بشاشة، لا بثقة داخلية.

ثقافة المقارنة صنعت وهماً جماعياً بأن الجميع ينعم بحياة أفضل ماعدا (أنت). والحقيقة أن كثيراً من تلك الصور ليست إلا واجهات براقة تخفي وراءها صوراً أخرى مثقلة بالتصدعات، غير أن المقارنة لا ترى خلف المشهد، بل تُصدر أحكامها من إطار الشاشة، فتُورِث إحساساً مؤلماً بالدونية.

استعادة الرضا لا تعني الانعزال عن العالم، بل تعني الوعي بما نسمح له بالدخول إلى وعينا. وأن ندرك أن المشهد المعروض لا يعكس الواقع الحقيقي، وأن لكل شخص مساراً تُحدّده ظروفه، ويُحدّد إيقاعه توقيته الخاص. فالرضا ينمو حينما يقارن الإنسان نفسه بنفسه، كما أن تقليل التعرض للمحتوى الذي يغذّي المقارنة، والعودة إلى قيم الامتنان، والعمل، والتطور الحقيقي، يعيد للإنسان توازنه النفسي ويكون له نصيب من قوله تعالى :
(لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ)
ثقافة المقارنة التي غذّتها مواقع التواصل لم تدمّر الطموح، لكنها شوّهت الرضا. دفعت الإنسان إلى الركض بلا توقف، ليس بدافع السعي للأفضل، بل رهبةً أن يُدرج في خانة الأقل. وفي زمن يضج بالصور، يبقى أعظم إنجاز هو أن يعيش الإنسان حياة يرضى هو عنها، لا حياة مبهرة للآخرين.

اترك رد

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top