بقلم : عاطف بن علي الأسود
لا تمرّ كلّ لحظات الرحيل بوصفها خبرًا عابرًا؛ فبعضها يتحوّل إلى وقفة مراجعة أخلاقية، وإعادة تقييم لدور العالِم في المجتمع، ومعنى الحضور حين يكون منحازًا للإنسان قبل أي اعتبار آخر. وبرحيل العلامة السيد علي بن السيد ناصر السلمان، يفقد المجتمع واحدًا من الأصوات الحكيمة التي اشتغلت بهدوء، وصنعت أثرها بعيدًا عن الضجيج.
لم يكن السيد علي السلمان رجل دين تقليديًا، ولا خطيبًا يكتفي بمنبره، بل كان نموذجًا للعالِم الذي وسّع معنى المسؤولية، وربط بين العلم والعمل، وجعل من قضايا الناس جزءًا أصيلًا من رسالته الدينية والاجتماعية. اختار أن يكون قريبًا من المجتمع، منصتًا لهمومه، حاضرًا حيث تكون الحاجة، ومبادرًا حين يتطلب الموقف وضوحًا وشجاعة.
العالِم بوصفه شريكًا في الشأن العام
على امتداد سنوات عطائه، قدّم السيد علي السلمان صورة مختلفة للعالِم؛ صورة لا ترى في المكانة وجاهة اجتماعية، بل التزامًا أخلاقيًا. انطلق من فهم عميق لمدرسة أهل البيت عليهم السلام، لا بوصفها خطابًا نظريًا، بل منظومة قيم حيّة، تضع الإنسان في صدارة الأولويات: صحته، وكرامته، وأمنه الاجتماعي.
وحين واجه المجتمع تحديات صحية واقتصادية واجتماعية، لم يكن حضوره رمزيًا أو موسميًا، بل كان عمليًا ومسؤولًا، مؤمنًا بأن دور العالِم لا يكتمل إلا حين يكون جزءًا من الحل، لا شاهدًا على المعاناة.
موقف إنساني خالد… دعم مركز السرطان
من أبرز المحطات التي ستبقى حاضرة في ذاكرة المجتمع، موقف السيد علي السلمان الداعم لمشروع مركز السرطان بمحافظة القطيف. لم يتعامل مع المشروع بوصفه منشأة صحية فحسب، بل باعتباره ضرورة إنسانية وأمنًا اجتماعيًا، واختبارًا حقيقيًا لضمير المجتمع.
من على المنبر، وبكلمات واضحة ومسؤولة، دعا إلى دعم المشروع والتبرع له، مؤكدًا أن الوقوف مع مرضى السرطان واجب ديني وأخلاقي لا يقبل التأجيل، وأن التكافل في هذا المجال هو من أصدق صور العمل الديني حين يتحول إلى خدمة مباشرة للإنسان.
لم تكن دعوته عاطفية أو آنية، بل واعية بالأثر، مدركة لحجم المسؤولية. وكان لكلمته، بما تحمله من صدق ومكانة، دور ملموس في تحريك المجتمع، وتسريع وتيرة الدعم، وتحويل المشروع من فكرة إلى واقع يخدم المرضى ويخفف عنهم معاناة السفر والانتظار.
لقد فهم السيد علي السلمان مبكرًا أن بناء مراكز العلاج هو بناء للأمن النفسي والاجتماعي، وأن الدين يبلغ ذروة صدقه حين يكون في خدمة الحياة.
قيادة هادئة وأثر ممتد
ما ميّز تجربة السيد علي السلمان أنه قاد دون استعراض، وخدم دون مقابل، وأثّر دون أن يطلب اعترافًا. لم يكن حاضرًا بحثًا عن صورة، بل عن نتيجة. ولذلك وثق به الناس، والتفوا حول مواقفه، واستجابوا لمبادراته، لأنهم لمسوا فيه صدق الانحياز ونقاء المقصد.
كان يؤمن أن المجتمعات لا تُبنى بالخطب وحدها، بل بالثقة، وبالقدرة على جمع الناس حول هدف إنساني مشترك، وبإشعار كل فرد أن له دورًا في صناعة الخير.
رحيل الجسد وبقاء الأثر
في مشهد تشييعه المهيب، لم يكن الحضور الغفير تعبيرًا عن مكانة اجتماعية فحسب، بل شهادة حيّة على أثر تراكمي صنعه الرجل عبر سنوات من العطاء الصامت. كان الوداع رسالة صادقة من المجتمع إلى نفسه: هكذا نودّع من اختار أن يكون معنا، لا فوقنا.
برحيله، يغيب الجسد، لكن تبقى المواقف، وتبقى المبادرات، ويبقى الدرس الأهم: أن العالِم الحقيقي هو من يترك خلفه مجتمعًا أكثر وعيًا، وأقرب إلى الرحمة.
خاتمة
السيد علي السلمان لم يكن صوتًا عابرًا في زمن الضجيج، بل كان صوت حكمة وضمير مجتمع. وبرحيله، نخسر حضورًا، لكننا نكسب معيارًا نقيس به صدق الخطاب، وجدوى العلم، وأصالة الدور الديني في زمن التحولات.
رحم الله السيد علي السلمان رحمةً واسعة، وجعل ما قدّمه للناس في ميزان حسناته، وألهم المجتمع الذي أحبه أن يحفظ إرثه بالفعل المسؤول، لا بالرثاء وحده.

