بقلم : عاطف بن علي الأسود
«الدول لا تدخل سباق الذكاء الاصطناعي بالتقنية وحدها، بل تدخل بهوية معرفية، وبإنسان مؤهل قادر على تحويل الخوارزميات إلى قيمة وطنية»
في عالم تتسارع فيه التحولات التقنية، وتتشابك فيه التحديات الاقتصادية والاجتماعية، تبرز المملكة العربية السعودية بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان – حفظه الله – كدولة تراهن على الإنسان قبل التقنية، حيث أعلن وزير الاتصالات وتقنية المعلومات عن ثلاث استراتيجيات وطنية كبرى، من بينها استهداف أن تكون المملكة ضمن أفضل خمسة مراكز عالميًا في مجالي التدريب والذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence)، وهو توجه يؤكد أن المملكة لا تتبع التقنية، بل تبتكرها وتبني عليها قدراتها الوطنية.
وفي هذا السياق، يُستشهد بما حذّر منه إيلون ماسك بأن الذكاء الاصطناعي سيتفوق على البشر قريبًا، وسيهيمن على الذكاء البشري بالكامل بحلول عام 2031، مما سيغير مستقبل العمل والحياة، وهذا يؤكد على أهمية التوجه الوطني المبكر، الذي يربط بين التدريب والتأهيل الوطني والذكاء الاصطناعي، ويجعل من الإنسان محور الاستثمار قبل أي استثمار في التقنية نفسها.
فالذكاء الاصطناعي لم يعد أداة تجريبية في المختبرات، بل أصبح عنصرًا حاسمًا في تحسين الخدمات الصحية والتعليمية والمرافق العامة والخاصة، وزيادة كفاءة التشغيل، وتعزيز استدامة الموارد، ودعم اقتصاديات الصحة (Health Economics) من خلال تحسين تخصيص الموارد، وتخطيط النفقات، وتقليل الهدر المالي، ورفع جودة القرار، بما يحقق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة.
وتكمن قوة التوجه السعودي في أنه يربط بين التقنية والإنسان، فلا تتحول التقنية إلى عبء مالي إذا لم تتوافر الكفاءات الوطنية، بينما يصبح الإنسان المؤهل أصلًا اقتصاديًا طويل الأمد، قادرًا على دعم التنمية المستدامة (Sustainable Development) وتعزيز الاستدامة البيئية (Environmental Sustainability)، مع إشراك جميع الجهات الحكومية ذات الصلة، لتطبيق التوجيهات الصادرة من القيادة العليا، بما يضمن تكامل القطاعين العام والخاص كشركاء أساسيين في التنمية.
ويأتي هذا التوجه انسجامًا مع توجيهات صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف بن عبدالعزيز آل سعود، أمير المنطقة الشرقية، التي تؤكد على تحقيق التنمية الشاملة، وتحفيز الاستثمار النوعي، وتعزيز دور القطاع الخاص كشريك رئيسي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، لا كمجرد منفذ، بما يحقق التكامل بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص (Public–Private Partnership).
إن استهداف موقع متقدم عالميًا في التدريب لا يقتصر على رفع أعداد المتدربين، بل يشير إلى إعادة هيكلة منظومة التأهيل الوطنية، والانتقال من التعليم التقليدي إلى التدريب التخصصي المرتبط بالمهارة، ومن ثقافة الشهادة إلى ثقافة الكفاءة، ومن الاكتفاء بسوق العمل المحلي إلى المنافسة في السوق العالمي، وهو ما يتطلب شراكات مع الجامعات الدولية، ومراكز البحث، وشركات التقنية، وتطوير بيئة تنظيمية تشجع الابتكار والاستثمار المسؤول، بما يتماشى مع التوجيهات الوطنية.
أما في مجال الذكاء الاصطناعي، فالرهان الحقيقي لا يكمن في الاستخدام فقط، بل في توطين المعرفة وبناء النماذج الوطنية، فالدولة التي لا تمتلك بنيتها الذكية وبياناتها وكوادرها المتخصصة، ستظل رهينة لقرارات تُتخذ خارج حدودها، ومن هنا يصبح الاستثمار في الذكاء الاصطناعي استثمارًا في السيادة الرقمية (Digital Sovereignty)، وأمن القرار الاقتصادي، واستدامة التنمية الوطنية.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن رؤية المملكة 2030، التي جعلت الإنسان محور التحول، والابتكار أساس التنويع الاقتصادي، فالمملكة، وهي تتقدم بثبات نحو اقتصاد ما بعد النفط، تدرك أن الثروة الحقيقية في القرن الحادي والعشرين تُبنى بالعقل قبل المورد، وبالمعرفة قبل رأس المال، مع الالتزام بأعلى المعايير الدولية في اقتصاديات الصحة وحماية البيئة.
إن ما تشهده المملكة اليوم ليس مجرد سباق على المراتب العالمية، بل إعادة تموضع استراتيجي لدولة قررت أن تكون شريكًا فاعلًا في صناعة المستقبل، وتجعل من التدريب والذكاء الاصطناعي ركيزة للتنمية، ومن الإنسان محورًا للتقدم، ومن التعاون بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص أداة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة.
⸻—————————
إعلامي وباحث اقتصادي، ومستشار في الاقتصاد الصحي، حاصل على دراسات عليا في Health Economics (اقتصاديات الصحة) من جامعة شفيلد – المملكة المتحدة، يكتب في الشأن التنموي، والتحول الاقتصادي، وحماية البيئة،
X: @alaswadatif | sir.atif@hotmail.com

