يُعدّ الاقتصاد الصحي أحد المرتكزات الرئيسة في تعزيز الصحة العامة وتحسين جودة الحياة، كونه يركز على كفاءة تقديم الرعاية الصحية، والوقاية من الأمراض، وضمان استدامة الأنظمة الصحية. وتنعكس أهمية هذا المجال بصورة مباشرة على رفاهية الأفراد والمجتمع، حيث يسهم في تمكين الإنسان من التمتع بحياة أطول وأكثر صحة، بما ينعكس إيجابًا على الإنتاجية والنمو الاقتصادي.
فعندما يتمتع الأفراد بصحة جيدة، تتحسن قدرتهم على العمل والعطاء، وترتفع كفاءة القوى العاملة، مما يسهم في تعزيز الأداء الاقتصادي وخفض التكاليف غير المباشرة المرتبطة بالأمراض. كما أن الاستثمار في الوقاية، وإدارة المخاطر الصحية، والتدخل المبكر، يقلل من الأعباء المالية طويلة الأمد، لا سيما تلك الناتجة عن الأمراض المزمنة التي تمثل تحديًا متزايدًا للأنظمة الصحية.
وفي المملكة العربية السعودية، يبرز الاقتصاد الصحي اليوم كأداة استراتيجية لتحسين الوصول العادل إلى الرعاية الصحية، وتعزيز كفاءة الإنفاق الصحي، ودعم استدامة النظام الصحي، بما يتماشى مع مستهدفات التحول الصحي ضمن رؤية المملكة 2030. ويأتي في هذا السياق التحول المؤسسي المنبثق عن المجلس التأسيسي الصحي في المنطقة الشرقية، بوصفه خطوة نوعية نحو تعزيز الحوكمة الصحية، ورفع كفاءة التخطيط، وتحقيق التكامل بين مختلف مقدمي الخدمات الصحية.
وقد أسهم هذا التحول في إعادة تنظيم مسارات الرعاية الصحية، وتحسين جودة الخدمات الطبية، ورفع مستوى سلامة المرضى، وتعزيز التنسيق بين مستويات الرعاية الأولية والثانوية والتخصصية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على كفاءة التشغيل داخل المستشفيات وتحسين النتائج السريرية.
وعلى المستوى العالمي، يُعدّ الاقتصاد الصحي فرعًا مهمًا من فروع علم الاقتصاد، يُعنى بتحليل النظم الصحية وتأثيراتها الاقتصادية من حيث التكاليف، والموارد، وعدالة التوزيع، بهدف تحسين كفاءة الأنظمة الصحية وتعزيز الصحة العامة. ويشمل ذلك قضايا التمويل الصحي، سواء عبر التمويل الحكومي أو أنظمة التأمين الصحي، إضافة إلى التحديات المرتبطة بتحقيق التغطية الصحية الشاملة.
وتبرز العدالة الصحية كأحد المحاور الأساسية في الاقتصاد الصحي العالمي، حيث يسعى هذا المجال إلى ضمان وصول متكافئ للرعاية الصحية، لا سيما في الدول النامية والمناطق التي تعاني من فجوات في الخدمات الصحية. وتتزايد أهمية هذا التوجه في ظل التحولات المستمرة في أنماط الأمراض المعدية وغير المعدية، مثل أمراض القلب والسرطان، التي تشكل عبئًا اقتصاديًا متصاعدًا على الأنظمة الصحية حول العالم.
وقد كشفت جائحة كورونا (كوفيد-19) بوضوح عن التأثير العميق للأوبئة على الاقتصادات العالمية والأنظمة الصحية، حيث تعطلت الأنشطة الاقتصادية وبرزت تحديات تشغيلية وسريرية كبيرة، ما أكد أهمية التخطيط الصحي المبني على التحليل الاقتصادي، ورفع الجاهزية الصحية، وتعزيز القدرة الاستيعابية للمرافق الطبية.
وفي هذا الإطار، تلعب التكنولوجيا الصحية دورًا محوريًا في تطوير الرعاية الطبية، من خلال التحول الرقمي الصحي، والذكاء الاصطناعي، والطب الاتصالي، وتحليل البيانات الصحية، بما يسهم في تحسين اتخاذ القرار الطبي ورفع كفاءة الخدمات، رغم ما يصاحب ذلك من تحديات تتعلق بالتكلفة والاستدامة.
وانطلاقًا من ذلك، أولت حكومتنا الرشيدة، بقيادة خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين – حفظهما الله – اهتمامًا بالغًا بالتحليل الاقتصادي للسياسات الصحية، من خلال تقييم أثر السياسات العامة، مثل برامج التطعيم، والتأمين الصحي الشامل، ونماذج الرعاية القائمة على القيمة، على صحة الأفراد وجودة الخدمات، بما يحقق تطلعات المستفيد في الحصول على رعاية صحية آمنة، عالية الجودة، وفي الوقت المناسب.
باحث وإعلامي اقتصادي
متخصص في الاقتصاد الصحي وتحليل حسابات التكاليف
دراسات عليا في الاقتصاد الصحي – جامعة شفيلد، المملكة المتحدة
للتواصل:
📱 00966503833695
📧 sir.atif@hotmail.com
🐦 X: @alaswadatif

