الماء يكذّب الغطّاس… والواقع يكذّب الأرقام

بقلم : سلمان محمد الفليو الشراي

كان العرب قديمًا يقولون:
«الماء يكذّب الغطّاس»،
وفي عصرنا الحديث يمكننا أن نقول بثقة:
«الواقع يكذّب الأرقام».

عند إعداد أي تقرير، من الطبيعي أن يظهر فرق بسيط بين ما هو مكتوب وما هو قائم على الأرض،
زيادة هنا أو نقص هناك،
وهذا أمر يحدث في معظم الأعمال.

لكن الخطورة الحقيقية تبدأ
عندما لا نجد على أرض الواقع أي أثر لتلك الأرقام.

قصه قصيره

كان هناك رجل يملك مشروعًا لزراعة الزيتون وانتاج منتجات الزيتون في عدة مناطق ،
لكنه كان منشغلًا في مدينة بعيدة عن موقع المزرعة،
فأوكل المتابعة إلى التقارير،
واعتمد على لغة الأرقام،
معتقدًا أن ما يُكتب في الجداول لا يكذب.

وكان المدير التنفيذي للمشروع يرسل له تقارير تفصيلية،
منسقة بعناية:
• عدد شتلات الزيتون المزروعة،
• مواقعها (شرق، غرب، يسار)،
• وتحديدًا في المنطقة (ج)،
• مع إجمالي التكاليف المصروفة،
وأختام تؤكد أن كل شيء «تم حسب الخطة».

لكن أحد العمال الساكنين في المنطقة (ج)
كان يعلم يقينًا
أنه لم تُزرع أي شتلة زيتون هناك،
لا قديمًا ولا حديثًا،
ولا حتى حفرة توحي بمحاولة زراعة.

ورغم أن هذا العامل يعمل تحت إدارة المدير التنفيذي،
إلا أنه التزم الصمت…
صمتٌ سببه الخوف تارة،
والتعود على تكرار المشهد تارة أخرى.

ومع مرور الوقت، بدأت الشكوك تتسلل إلى صاحب المشروع،
فسأل عن المنطقة (ج) أكثر من مرة،
وكان الجواب حاضرًا دائمًا،
جاهزًا قبل السؤال:

«المنطقة (ج) مليئة بالمشاكل،
وسكانها يقومون بأعمال تخريبية،
وقد أتلفوا الشتلات».

عذرٌ محفوظ،
يُستخرج عند الحاجة،
ويُسجَّل في التقارير كسبب «قاهر»،
ليُغلق أي باب للمساءلة.

لكن ما لم يدركه المدير التنفيذي أن:
• المنطقة (ج) مزوّدة بكاميرات مراقبة،
• وأن الأرض التي قيل إنها زُرعت… لم تُمسّ أصلًا،
• وأن سكان المنطقة سبق أن تقدموا بشكاوى مكتوبة،
ليس عن تخريب،
بل عن غياب المشروع بالكامل.

وهنا انكشفت الحقيقة…

فالأرقام قالت إن المال صُرف،
والتقارير أكدت أن العمل أُنجز،
لكن الواقع،
الذي لا يوقّع على التقارير،
قال شيئًا آخر تمامًا.

فالواقع لا يقرأ الجداول،
ولا يعترف بالأختام،
وإذا حضر…
سقطت كل الأرقام التي لم تلمس الأرض.

فالواقع يكذّب الأرقام،
كما يكذّب الماءُ الغطّاس.

اترك رد

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top