حين يلتقي التاريخ بالمعايشة قراءة في بريطانيا من منظور باحث مقيم

بقلم : عاطف بن علي الأسود

باحث وإعلامي أقام في المملكة المتحدة لفترة طويلة واطلع على تاريخ بريطانيا من خلال القراءة الأكاديمية والمتابعة اليومية والتعايش المباشر مع المجتمع البريطاني في مدنه ومناطقه المختلفة

حين يُعاد النظر في تاريخ بريطانيا بعيدًا عن السرد المدرسي أو الاختزال الزمني تتكشف صورة كيان تشكل عبر قرون من التفاعل المعقد بين الجغرافيا والسلطة والمجتمع فهذه الجزيرة التي تبدو محدودة المساحة استطاعت أن تتحول من أطراف أوروبا إلى أحد أهم مراكز القرار العالمي لا بفعل القوة العسكرية وحدها ولا نتيجة لحظة تاريخية استثنائية بل عبر تراكم طويل من التجربة والخطأ والتكيف الذكي مع التحولات الكبرى

منذ الحضور الروماني المبكر أدركت بريطانيا أهمية موقعها كحلقة وصل بحرية وكخط دفاع طبيعي ومع انسحاب الرومان لم تدخل في عزلة تاريخية بل بدأت مرحلة إعادة تشكل داخلي قادتها القبائل الأنجلوساكسونية التي أرست أسس اللغة والهوية وأنماط الحكم ومع مرور الزمن لم تكن الصراعات المحلية علامة ضعف بقدر ما كانت تعبيرًا عن حيوية مجتمع يبحث عن توازن بين السلطة والولاء والانتماء

التحول الجوهري في التاريخ البريطاني جاء مع الغزو النورماني الذي لم يكن مجرد انتقال للسلطة بل إعادة بناء شاملة لمفهوم الدولة حيث فُرض نظام إداري مركزي أعاد تنظيم الأرض وربط النخب المحلية ببنية حكم واضحة وهو ما منح بريطانيا في وقت مبكر قدرة تنظيمية عالية وفي العصور الوسطى لم يكن الصراع بين التاج والنبلاء والكنيسة حالة استثنائية بل مختبرًا سياسيًا طويل الأمد أفرز تدريجيًا فكرة تقييد السلطة وولادة تقاليد دستورية تراكمية دون قطيعة حادة مع الماضي

مع الانتقال إلى العصر الحديث بدأت بريطانيا تدرك أن مستقبلها لا يُصاغ داخل حدودها البرية بل في البحار المفتوحة فكان الاستثمار في الملاحة وبناء الأسطول وتوسيع شبكات التجارة نقطة التحول التي نقلتها من لاعب إقليمي إلى قوة عالمية ولم يكن التوسع البريطاني مشروعًا أحادي البعد بل مزيجًا من المصالح الاقتصادية والتحالفات السياسية والإدارة المرنة للنفوذ وهو ما سمح للإمبراطورية البريطانية بالتمدد دون الاعتماد الدائم على القوة الصلبة

الثورة الصناعية لم تكن حدثًا منفصلًا عن هذا المسار بل نتيجة طبيعية لتراكم سياسي واجتماعي وفكري سمح بحماية الملكية الخاصة وتشجيع الابتكار وتراكم رأس المال وقد حولت هذه الثورة المدن البريطانية إلى مراكز إنتاج عالمية لكنها في الوقت ذاته كشفت تناقضات اجتماعية عميقة تمثلت في اتساع الفوارق الطبقية وظروف العمل القاسية وهي تناقضات لم تُخفها الدولة بل واجهتها عبر نقاشات فكرية وإصلاحات تشريعية متدرجة عكست طبيعة النظام البريطاني القائم على التطور البطيء لا الانفجار المفاجئ

أما الإمبراطورية البريطانية فقد حملت وجهين متلازمين وجه التحديث المؤسسي ونقل أنماط الإدارة والتعليم ووجه الهيمنة واستنزاف الموارد وهو تناقض لا يمكن فهم التاريخ البريطاني الحديث من دونه وقد ترك هذا الإرث أثرًا عميقًا على الداخل البريطاني نفسه حيث أسهم في تشكيل الهوية الوطنية ثم لاحقًا في أزمة ما بعد الانسحاب الإمبراطوري حين وجدت بريطانيا نفسها مضطرة لإعادة تعريف دورها في عالم متغير

القرن العشرون مثّل لحظة مراجعة قاسية للتجربة البريطانية حيث كشفت الحربان العالميتان حدود القوة وأجبرتا الدولة على التحول من منطق الإمبراطورية إلى منطق الدولة الشريكة في النظام الدولي ومع هذا التحول برزت أسئلة الهوية والسيادة والعلاقة مع أوروبا والعالم وهي أسئلة لم تُحسم نهائيًا ولا تزال حاضرة في الخطاب السياسي والمجتمعي حتى اليوم

ومن خلال الإقامة الطويلة في المملكة المتحدة يتضح أن التاريخ في بريطانيا ليس محفوظًا في الأرشيف فقط بل حاضر في تفاصيل الحياة اليومية في احترام القانون وفي قوة المؤسسات وفي النقاش العام المفتوح حول السلطة والحقوق فالمجتمع البريطاني يحمل ذاكرة تاريخية حية تُترجم إلى سلوك عام يوازن بين الاستقرار والنقد وهو ما يفسر قدرة هذا المجتمع على امتصاص الأزمات دون فقدان تماسكه الداخلي

إن قراءة التجربة البريطانية من زاوية البحث والمعايشة معًا تكشف أن سر بقاء هذا الكيان لا يكمن في لحظة مجد واحدة بل في تراكم طويل من التكيف مع التحولات الكبرى وفي القدرة على مراجعة الذات دون إنكار الماضي أو الارتهان له

وفي هذا السياق يطرح التاريخ البريطاني دروسًا بالغة الأهمية للواقع العربي المعاصر فالدولة لا تُبنى بالقفز على الزمن ولا بتقديس الماضي ولا بتجاهله بل بتحويل الذاكرة التاريخية إلى رصيد معرفي يُستخدم لبناء الحاضر فبريطانيا لم تصل إلى استقرارها عبر اختصار الطريق بل عبر صراعات مُدارة وإصلاحات متدرجة واحترام تراكمي للمؤسسات وهو ما يفتح باب التساؤل حول كيفية تعامل المجتمعات العربية مع تاريخها بين التوظيف الإيديولوجي أو الإقصاء الكامل

كما تُظهر هذه التجربة أن مساءلة السلطة لا تعني هدم الدولة وأن النقد يمكن أن يكون أداة استقرار لا عامل فوضى إذا ما وُضع ضمن إطار مؤسسي واضح وهي نقطة فارقة في كثير من السياقات العربية التي ما زالت تعاني من الخلط بين الدولة والسلطة وبين الإصلاح والفوضى

إن الربط بين التاريخ المعاش والتاريخ المقروء كما في التجربة البريطانية يقدم نموذجًا لفهم الدولة بوصفها كيانًا حيًا يتغير دون أن يفقد جوهره وهو درس يتجاوز الجغرافيا ليؤكد أن قراءة التاريخ ليست فعلًا ثقافيًا محايدًا بل ممارسة واعية تسهم في صناعة المستقبل …….
للتواصل: عاطف بن علي الأسود
المنطقة الشرقية المملكة العربية السعودية
X @alaswadatif
sir.atif@hotmail.com
00966503833695

اترك رد

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top