بقلم : د. أحمد سعيد الغامدي
ليست كل الأوطان تُقرأ في الكتب؛ بعضُها يُؤكل، وبعضُها يُشمّ في بخار قدرٍ قديم، ويُلمس في عجينٍ دافئ، ويُتذوّق في لقمةٍ صادقة خرجت من يدٍ تعرف معنى البركة. عيش غرم الله وعريكة خضران ليسا طبقين على المائدة، بل وثيقتان من وثائق الهوية، مختومتان بالنار، وموقَّعتان بعرق البسطاء وكرم الجبال.
حين يُخلط اللبن بالدقيق ويُطبخ على مهل حتى يشتد، ويُصوَط بالمِصواط صَوْطًا متتابعًا حتى يتماسك قوامه، فنحن أمام فلسفة كاملة لا مجرد وصفة. التمهّل هنا قيمة، والهدوء منهج، والنضج نتيجة وقت لا نتيجة استعجال. هكذا بُني الإنسان في هذه البلاد على التدرّج، وعلى الصبر، وعلى تحويل القليل إلى كثير. ليست المسألة مكونات، بل طريقة نظر إلى الحياة؛ ما دام الأصل طيبًا فالمآل كريم.
العريكة ليست طعام أفراد، بل طعام جماعة. تُقدَّم في صحنٍ واحد كأنها بيان عملي بأن الشبع الحقيقي لا يتحقق منفردًا. الأيدي التي تمتد معًا تُعلن أن المشاركة جزء من الثقافة، وأن القرب ليس مجاملة اجتماعية بل نظام عيش. لذلك خرج من هذه البيئات رجالٌ إذا أكرموا أدهشوا، وإذا أعطوا أوسعوا، لأنهم تربّوا على موائد لا تعرف الأنانية.
في بعض المناطق لا تُفصل الأكلة عن المكان. الجبال حاضرة في القوام، والهواء حاضر في الرائحة، والبيوت القديمة حاضرة في طريقة التقديم. كل شيء يقول نحن هنا منذ زمن، ولسنا طارئين على التاريخ. هذه الأطعمة ليست بقايا ماضٍ، بل جذور حاضر. من يستخف بها يستخف بسلسلة طويلة من الخبرة الإنسانية التي تعلّمت كيف تعيش بكرامة وبسالة.
المطابخ الحديثة تُجيد الإبهار، لكن المطبخ التراثي يُجيد الإنشاء. الأول يصنع طبقًا، والثاني يصنع إنسانًا. الأول يركّز على الشكل، والثاني يرسّخ المعنى. ولهذا تبقى الأكلات الشعبية حيّة رغم تغيّر الأزمنة، لأنها لا تعتمد على موضة، بل على احتياج إنساني عميق مثل الدفء، والبساطة، والصدق.
التراث لا يُحفظ في المتاحف فقط، بل يُحفظ حين يُمارَس، ويُطبخ، ويُقدَّم، ويُورَّث كما تُورَّث القيم. البعد الوطني هنا ليس شعارًا، بل ممارسة يومية. حين نحافظ على أطعمتنا التراثية فنحن نحمي جزءًا من سيادتنا الثقافية. الهوية لا تُصان بالخطابات وحدها، بل بالعادات، وبما نأكل، وكيف نقدّم، ولماذا نتمسك. الملعقة قد تكون أداة غذاء، لكنها أيضًا أداة ذاكرة.
عيش غرم الله وعريكة خضران يختصران درسًا كبيرًا أن الوطن ليس ما نرفعه في المناسبات فقط، بل ما نعيشه في التفاصيل؛ في إعداد الطعام، وفي روح المشاركة، وفي احترام النعمة، وفي تحويل البسيط إلى مهيب. تلك مدرسة لا تُعلن عن نفسها، لكنها تخرّج أجيالًا تعرف قيمة الشيء قبل سعره.
هذه ليست وجبة تُؤكل وتنتهي؛ هذه قطعة هوية تُتذوّق وتبقى.

