منذ 2014… رؤية أمين الشرقية لبناء مدن المستقبل

بقلم :الدكتور عاطف علي الأسود

في عام 2014، حين اجتمعت أسرة تحرير جريدة اليوم مع معالي أمين المنطقة الشرقية المهندس فهد بن محمد الجبير، لم يكن اللقاء مجرد حوار صحفي عابر، بل قراءة مبكرة لرؤية إدارية تسعى إلى إعادة صياغة مفهوم العمل البلدي في المنطقة الشرقية. كان الحديث آنذاك يعكس إدراكًا واضحًا بأن المدن لم تعد مجرد طرق وخدمات بلدية تقليدية، بل منظومات اقتصادية واجتماعية متكاملة تحتاج إلى إدارة حديثة قادرة على استشراف المستقبل والتعامل مع تحدياته والتي تعتبر أكبرها الاكتفاء الذاتي بالموارد المالية وحلول اشراك المستثمرين بالتنمية وخلق الفرص الوظيفية.

ذلك اللقاء كشف عن منهج إداري يقوم على الشفافية والمصارحة في طرح التحديات، حيث تحدث الأمين بوضوح عن طبيعة الضغوط التي تواجه العمل البلدي، سواء استدامة الموارد المالية أو تطوير البنية التحتية أو تحسين شبكة الطرق وتخطيط الأحياء السكنية. لم يكن الحديث مجرد استعراض لإنجازات، بل قراءة واقعية لطبيعة العمل البلدي وما يتطلبه من تخطيط طويل المدى ورؤية استراتيجية قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة التي تشهدها المدن الحديثة.

ومن أبرز ما طرحه الأمين في ذلك الحوار فكرة تحقيق قدر من الاكتفاء المالي للأمانة من خلال تنويع مصادر الدخل والاستفادة من الفرص الاستثمارية داخل المدن. هذه الفكرة تعكس فهمًا مبكرًا لدور المدن الحديثة ككيانات اقتصادية قادرة على إنتاج الموارد وتحفيز التنمية، وليس فقط تقديم الخدمات التقليدية. وقد بدا واضحًا في حديثه أن مستقبل المدن يعتمد على القدرة على إدارة الموارد بكفاءة واستثمار الفرص المتاحة بما يحقق التنمية المستدامة من خلال اشراك المستثمرين التي لمسنا اثرها اليوم من خلال المشاريع الاستثمارية النوعية والمميزة وكذلك نتائج مؤشرات وزارة البلديات التي حققت أمانة المنطقة الشرقية المركز الأول بالاستدامة المالية بتغطية الإيرادات للأبواب الثلاث بالميزانية بنسبة 109% في انجاز نوعي وتاريخي يترجم رؤية المملكة 2030 .

كما أشار الأمين إلى أهمية إشراك القطاع الخاص ورجال الأعمال في مشاريع التنمية الحضرية، مؤكدًا أن نجاح المدن لا يعتمد على التمويل الحكومي وحده، بل على بناء شراكات حقيقية مع المستثمرين القادرين على الإسهام في تطوير البنية التحتية والمشاريع التنموية. وقد كان هذا الطرح يعكس رؤية مبكرة لأهمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وهو التوجه الذي أصبح اليوم أحد أهم مرتكزات التنمية في المملكة.

وفي جانب البنية التحتية، كان حديث الأمين واضحًا حول حجم التحديات التي تواجه شبكة الطرق نتيجة النمو السكاني والنشاط الاقتصادي والصناعي المتزايد في المنطقة الشرقية، إضافة إلى حركة الموانئ والنقل التجاري. وقد أكد أن معالجة هذه التحديات لا يمكن أن تعتمد على حلول مؤقتة، بل تتطلب تخطيطًا طويل المدى وتنسيقًا مستمرًا مع الجهات المعنية بالنقل والخدمات اللوجستية لتطوير شبكة الطرق وربط المدن ببعضها بصورة أكثر كفاءة.

كما لم يغفل الحديث عن جودة أعمال الصيانة والتطوير، حيث أشار الأمين إلى أن الوصول إلى مستويات عالية من الجودة يحتاج إلى عمل مستمر وتطوير دائم للآليات والبرامج، مع أهمية التواصل مع المجتمع والاستماع إلى ملاحظاته باعتبار أن النقد البناء جزء أساسي من تحسين الأداء المؤسسي.

ومن الجوانب المهمة التي تناولها الحوار أيضًا قضية التخطيط المتكامل للأحياء السكنية، حيث أكد الأمين أن التخطيط الشامل يمثل الأساس في تقليل مشكلات الصيانة وتحسين البيئة العمرانية وتعزيز جودة الحياة داخل المدن. هذه الرؤية تعكس فهمًا عميقًا لدور التخطيط الحضري في بناء مدن أكثر توازنًا واستدامة.

واليوم، وبعد مرور سنوات على ذلك الحوار، تبدو تلك الأفكار وكأنها قراءة مبكرة لمسار التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي العهد محمد بن سلمان، حيث أصبح تطوير المدن وتعزيز الاستدامة الحضرية جزءًا أساسيًا من مسار التنمية الوطنية.

إن استحضار ذلك الحوار بعد هذه السنوات لا يهدف إلى استعادة الماضي بقدر ما يهدف إلى قراءة البدايات الأولى لرؤية تخطيطية كانت تدرك مبكرًا حجم التحديات التي تواجه المدن، وأهمية العمل المؤسسي طويل المدى في بناء مدن قادرة على مواكبة المستقبل.

وفي هذا السياق، فإن بناء شراكات حقيقية بين القطاعين العام والخاص يظل أحد أهم مفاتيح النجاح في تطوير المدن وتعزيز استدامة خدماتها. أعانكم الله، معالي الأمين، أنتم وفريق العمل، على بلوغ هذه الأهداف الطموحة، فالتحدي كبير في إعداد برامج ومبادرات مشتركة يساهم فيها رجال الأعمال والمستثمرون ليكونوا شركاء نجاح حقيقيين مع الأمانة في مسيرة التنمية الحضرية وصناعة مدن أكثر تطورًا واستدامة.
للتواصل مع الكاتب:
‏X@alaswadatif | sir.atif@hotmail.com

اترك رد

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top