الجافورة… حين تتحول الطاقة إلى استثمار في صحة الإنسان والبيئة

بقلم : عاطف علي الأسود

في عالم يشهد تحولات متسارعة في سياسات الطاقة والبيئة، لم يعد الحديث عن مشاريع الطاقة الكبرى مقتصرًا على أرقام الإنتاج أو حجم الاحتياطيات، بل أصبح مرتبطًا بشكل وثيق بتأثيراتها على البيئة وصحة الإنسان واستدامة التنمية. ومن هذا المنطلق يمكن قراءة ما نشرته وكالة واصل الإخبارية في تقرير للصحفية عبير الزهراني حول إعلان شركة أرامكو السعودية بدء الإنتاج في حقل الجافورة وبدء الأعمال التشغيلية في معمل الغاز في تناقيب.

فعند قراءة هذا التقرير بتمعّن، يتضح أن الأمر لا يتعلق بمجرد توسع صناعي في قطاع الطاقة، بل يعكس تحولًا استراتيجيًا في بنية الاقتصاد الطاقي في المملكة العربية السعودية. فالتوجه نحو التوسع في إنتاج الغاز الطبيعي يمثل أحد أهم ملامح المرحلة القادمة في إدارة موارد الطاقة، خاصة في ظل التغيرات العالمية التي تدفع نحو تقليل الانبعاثات وتحسين كفاءة استخدام الموارد.

إن مشروع حقل الجافورة، بوصفه أكبر حقل غاز غير تقليدي في الشرق الأوسط، لا يمثل فقط إنجازًا صناعيًا ضخمًا، بل يشكل ركيزة اقتصادية مهمة يمكن أن تدعم العديد من القطاعات الحيوية في المملكة، مثل الصناعات التحويلية والبتروكيميائيات والتقنيات المتقدمة. كما أن تشغيل معمل الغاز في تناقيب يعكس مستوى متقدمًا من التكامل التقني والصناعي في إدارة مشاريع الطاقة، وهو ما يعزز من كفاءة الإنتاج ويحد من الهدر في الموارد.

لكن الأهمية الأعمق لهذه المشاريع تظهر عند النظر إليها من زاوية الاقتصاد الصحي وحماية البيئة. فالتحول نحو استخدام الغاز الطبيعي في مزيج الطاقة يسهم في تقليل الاعتماد على الوقود السائل الأكثر تأثيرًا على البيئة، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على جودة الهواء وتقليل الانبعاثات. وهذا بدوره يرتبط بشكل مباشر بصحة الإنسان، حيث تشير العديد من الدراسات إلى أن تلوث الهواء يعد أحد أبرز العوامل المؤثرة في انتشار أمراض الجهاز التنفسي وأمراض القلب.

ومن منظور الاقتصاد الصحي، فإن أي تحسن في جودة البيئة يعني بالضرورة خفضًا في التكاليف الصحية غير المباشرة التي تتحملها المجتمعات نتيجة الأمراض المرتبطة بالتلوث. وبالتالي فإن الاستثمار في مصادر طاقة أكثر كفاءة وأقل تلويثًا، مثل الغاز الطبيعي، لا يمثل فقط خيارًا اقتصاديًا، بل هو أيضًا استثمار طويل الأمد في صحة الإنسان وجودة الحياة.

كما أن هذه المشاريع تتناغم مع التوجهات الاستراتيجية للمملكة ضمن إطار رؤية السعودية 2030، التي تسعى إلى تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والاستدامة البيئية، وبناء اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية.

ولا شك أن الدعم الكبير الذي تحظى به هذه المشاريع من القيادة الرشيدة بقيادة الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود يعكس وضوح الرؤية في تحويل قطاع الطاقة إلى رافعة تنموية متكاملة تجمع بين الاقتصاد والبيئة والصحة.

إن مشروع الجافورة وتوسعات الغاز في المملكة ليست مجرد إضافة جديدة إلى سجل الإنجازات الصناعية، بل تمثل مرحلة متقدمة من التفكير التنموي الذي يربط بين أمن الطاقة واستدامة البيئة وصحة المجتمع. وفي هذا الإطار، يصبح الاستثمار في الطاقة النظيفة نسبيًا خطوة أساسية نحو بناء مستقبل اقتصادي أكثر توازنًا واستدامة للأجيال القادمة.

عاطف علي الأسود
باحث اقتصادي وإعلامي متخصص في الاقتصاد الصحي والاستدامة البيئية
المملكة العربية السعودية

اترك رد

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top