بقلم : عاطف بن علي الأسود
تلعب الجمعيات الأهلية دورا محوريا في تحقيق أهداف التنمية البشرية والاجتماعية فهي تمثل جسرا حيويا بين المجتمع واحتياجاته المتنامية وتسهم في دعم الفئات المستفيدة من خلال برامج إنسانية وتنموية متعددة غير أن هذا الدور لا يمكن أن يستمر بنفس الكفاءة إذا ظل الاعتماد قائما فقط على تبرعات المساهمين أو الدعم الموسمي لأن متطلبات العمل الخيري والاجتماعي تتوسع يوما بعد يوم وهو ما يستلزم بناء نموذج مالي مستدام يضمن استمرار الخدمات وتحقيق الأهداف المستقبلية
إن من أهم الأسس التي تقوم عليها استدامة العمل الخيري قدرة الجمعية على إدارة مواردها المالية وممتلكاتها بكفاءة عالية فوجود أراض أو مبان أو أصول مملوكة للجمعية يجب ألا يبقى مجرد ممتلكات جامدة بل ينبغي أن يكون جزءا من رؤية استراتيجية للاستثمار والتنمية بحيث تتحول هذه الأصول إلى مصادر دخل مستدامة تسهم في دعم أنشطة الجمعية المختلفة وتوفر التمويل اللازم لبرامجها الإنسانية والاجتماعية
وفي هذا السياق فإن الاستثمار في ممتلكات الجمعية يمثل الشريان النابض لتحقيق هذه الرؤية لأنه يتيح بناء موارد مالية دائمة يمكن توجيهها لخدمة مختلف الأقسام التي تعتمد عليها الجمعية في أداء رسالتها المجتمعية ومن أبرز هذه الأقسام قسم الرعاية الاجتماعية الذي يعنى بدعم الأسر المحتاجة وتقديم المساعدات المباشرة وقسم البرامج التنموية الذي يعمل على تمكين المستفيدين من خلال التدريب والتأهيل وقسم التعليم والمنح الدراسية الذي يهدف إلى دعم الطلبة غير القادرين وتمكينهم من استكمال تعليمهم وقسم الرعاية الصحية الذي يسهم في تقديم الدعم الطبي والعلاجي للمحتاجين وقسم المبادرات المجتمعية الذي ينظم الأنشطة التطوعية والبرامج الاجتماعية التي تعزز روح التكافل بين أفراد المجتمع إضافة إلى قسم البحث والدراسات الاجتماعية الذي يقوم برصد احتياجات المجتمع وتحليلها من أجل تطوير البرامج والمبادرات بشكل أكثر فاعلية
إن توفير الموارد المالية لهذه الأقسام بصورة مستدامة يتطلب تخطيطا استراتيجيا يعتمد على استثمار الأصول المتاحة وإدارة الموارد بكفاءة عالية بحيث تصبح الجمعية قادرة على تمويل برامجها دون أن يكون اعتمادها الكامل على التبرعات وهو ما يعزز قدرتها على الاستمرار والتوسع في تقديم الخدمات الإنسانية
كما أن وجود إدارة فاعلة تمتلك القدرة على إبراز التقارير الحقيقية التي تعكس ما تم إنجازه على أرض الواقع يعد عاملا أساسيا في تعزيز ثقة المجتمع والمساهمين فحينما تكون التقارير واضحة وشفافة وتعرض ما تحقق من نتائج ملموسة فإنها تمنح المتلقي من رجال الأعمال سواء على مستوى المنطقة الشرقية أو على مستوى المملكة صورة واضحة عن الأثر الحقيقي لعمل الجمعية الأمر الذي يشجع على تقديم المزيد من الدعم والمساهمة في برامجها ومبادراتها الإنسانية
كما أن التواصل المباشر وغير المباشر مع رجال الأعمال عبر القنوات الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي يمثل أداة مؤثرة في بناء جسور الثقة وتعريف المجتمع بمشروعات الجمعية وبرامجها التنموية وهو ما يسهم في استقطاب المزيد من التبرعات والدعم المجتمعي ويعزز حضور الجمعية في المشهد التنموي
وهنا يبرز الدور المهم للقسم الاستثماري وقسم العلاقات العامة في الجمعية حيث يعملان بشكل تكاملي على إبراز البرامج والمشروعات الاستثمارية والاجتماعية والتعريف بأثرها في خدمة المجتمع سواء من خلال رئيس الجمعية أو من خلال أعضاء مجلس الإدارة والكوادر العاملة الذين يسعون إلى تسويق هذه المبادرات وإظهار قيمتها التنموية للمجتمع
إن هذا الحراك المؤسسي في مجال الاستثمار والتواصل المجتمعي يفتح آفاقا واسعة أمام الجمعية لتوفير موارد مالية مستدامة تنعكس إيجابا على أدائها المؤسسي وتمكنها من تحقيق أهدافها الإنسانية والاجتماعية بشكل أكثر فاعلية واستدامة
كما أن وجود فريق استشاري متخصص يتولى متابعة الأداء المؤسسي ومراقبة آليات الاستثمار وإدارة الموارد يمثل خطوة مهمة في تعزيز الحوكمة المؤسسية حيث يقوم هذا الفريق بمراجعة الخطط المالية والاستثمارية وتقييم الأداء بشكل منتظم وتقديم التوصيات اللازمة التي تساعد إدارة الجمعية على اتخاذ القرارات المناسبة بما يخدم المصلحة العامة
وفي المقابل تقوم إدارة الجمعية بتقديم تقارير دورية ومنتظمة إلى اللجنة الاستشارية تتضمن عرضا واضحا للوضع المالي ونتائج الاستثمار ومستوى تنفيذ البرامج الاجتماعية والخدمية بحيث يتم تحليل هذه التقارير وتقديم التوجيهات اللازمة لضمان تحقيق أعلى مستوى من الكفاءة والشفافية
إن هذا التكامل بين الإدارة التنفيذية واللجنة الاستشارية يعزز الثقة في العمل المؤسسي ويجعل الاستثمار في ممتلكات الجمعية رافعة حقيقية لتحقيق الاستدامة المالية والتنمية الاجتماعية كما يسهم في توجيه الموارد المالية نحو خدمة المستفيدين بصورة أكثر فاعلية
وعندما تنجح الجمعيات في تبني هذا النموذج القائم على التخطيط الاستراتيجي والاستثمار الرشيد والشفافية في التقارير والتواصل المجتمعي فإنها تتحول من مؤسسات تعتمد على الدعم المؤقت إلى مؤسسات تنموية قادرة على بناء مستقبل أكثر استقرارا لخدماتها الإنسانية وبما يعزز قيم التكافل الاجتماعي والتنمية المستدامة في المجتمع.
عاطف بن علي الأسود
مؤسس المركز السعودي للاقتصاد الصحي والاستدامة الإعلامي
X @alaswadatif
sir.atif@hotmail.com

