بقلم : سلمان محمد الفليو
شهدت المؤسسات في السنوات الأخيرة تغيرًا جذريًا في أساليب العمل مع انطلاق برامج التطوير والتحول الرقمي. هذا التحول لم يكن مجرد استبدال الورق بالحاسوب، بل كان تغييرًا في ثقافة العمل وسرعة الإنجاز وطريقة تعامل الموظف مع المعاملات والمراجعين. ومن هنا يظهر الفرق الواضح بين الموظف قبل التحول، والموظف بعد التحول.
في الماضي، كان الموظف يبدأ يومه الوظيفي بأسلوب تقليدي معتاد؛ يجلس إلى مكتبه، يتصفح الجريدة، ثم يفتح دفاتر العمل. كان هناك كتاب للصادر وكتاب للوارد، تُدوَّن فيهما المعاملات يدويًا بالقلم، مع تسجيل رقم المعاملة وتاريخها والجهة المرسلة أو المستلمة. وبعد الانتهاء من تسجيل المعاملة، تُكتب ورقة الفهرسة وتُضاف إلى الملف الورقي.
ثم تبدأ رحلة المعاملة داخل المؤسسة؛ فبعد أن ينتهي الموظف من الكتابة بالقلم، يرسل المعاملة إلى الموظف المختص ليكمل الفقرة التالية من اللائحة أو الإجراء الإداري. وقد تنتقل المعاملة بين أكثر من مكتب وموظف، وكل خطوة تحتاج توقيعًا أو ختمًا أو تدوينًا جديدًا.
وفي هذه الأثناء ينتظر المواطن صاحب المعاملة، أو المؤسسة، أو الجهة الحكومية الأخرى من أسبوع إلى أسبوعين وربما أكثر حتى تكتمل الإجراءات، وقد يضطر إلى المراجعة أكثر من مرة للاستفسار عن مصير معاملته.
هذا الأسلوب الورقي الروتيني كان مليئًا بالإجراءات الطويلة، وكثيرًا ما يؤدي إلى بطء الإنجاز، وتكدّس المعاملات، وضياع الوقت بين الأرشفة والبحث في الملفات. كما أن أي خطأ بسيط في التسجيل قد يعيد المعاملة إلى بدايتها من جديد.
أما بعد إطلاق برامج الرؤية والتحول الرقمي فقد تغيرت بيئة العمل بشكل كبير. أصبح الموظف يمتلك يوزرًا على النظام الإلكتروني يتيح له تنفيذ معظم الإجراءات بنفسه داخل المنصة الرقمية. كثير من الخطوات التي كانت تمر على عدة مكاتب وموظفين تم إلغاؤها لأنها غير ضرورية، وتم اختصار الإجراءات في مسار إلكتروني واضح ومحدد.
المعاملة اليوم تُنشأ إلكترونيًا، وتُحال للجهة المختصة بضغطة زر، ويستطيع الموظف متابعة مراحلها داخل النظام دون الحاجة إلى تداول الورق أو البحث في الأرشيف. كما يمكن للمراجع أو الجهة صاحبة المعاملة متابعة الطلب إلكترونيًا دون الحاجة للحضور المتكرر.
والنتيجة أن كثيرًا من المعاملات التي كانت تستغرق أيامًا أو أسابيع أصبحت تُنجز خلال يوم واحد، وبعضها لا يحتاج إلا دقائق معدودة لإتمامه. كما أصبحت المعلومات محفوظة إلكترونيًا، سهلة البحث والاسترجاع، وأكثر دقة وتنظيمًا.
ويأتي هذا التحول في إطار التوجه الوطني الذي دعمته القيادة الحكيمة، حيث صدر التوجيه بإيقاف التعاملات الورقية والتحول إلى التعاملات الإلكترونية بأمر من الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وهو ما يعكس جدية الدولة في تطوير العمل الحكومي وتسريع الخدمات. كما أن هذا التوجه يتماشى مع رؤية التطوير الشاملة التي يقودها محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ضمن رؤية السعودية 2030، والتي تهدف إلى بناء حكومة رقمية أكثر كفاءة ومرونة.
إن التحول الرقمي جلب العديد من الإيجابيات، من أهمها سرعة الإنجاز، وتقليل الأخطاء البشرية، وتوفير الوقت والجهد، ورفع مستوى الشفافية في متابعة المعاملات، إضافة إلى تقليل الهدر في الورق والأرشفة التقليدية. كما ساعد المؤسسات على تقديم خدماتها للمواطنين والجهات الأخرى بكفاءة أعلى وجودة أفضل.
وفي المقابل، كشف هذا التحول سلبيات الأسلوب الورقي القديم القائم على الإجراءات الطويلة والروتين الإداري المعقد. فالتعامل الورقي يستهلك الوقت، ويبطئ العمل، ويجعل إنجاز المعاملات مرهونًا بانتقال الورقة بين الموظفين.
وفي النهاية، يبقى النجاح الحقيقي في قدرة الموظف نفسه على مواكبة هذا التغيير. فالموظف الذي يطور مهاراته ويتعلم استخدام الأنظمة الحديثة يصبح عنصرًا فاعلًا في نجاح المؤسسة، أما من يتمسك بالأساليب القديمة ويرفض التغيير فقد يجد نفسه غير قادر على مواكبة متطلبات العمل الحديثة.
فالمستقبل الإداري اليوم يقوم على السرعة والكفاءة والتقنية، لا على الدفاتر والروتين الطويل .

