سامي محمد سعيد المسلم… حين يتحوّل إرث الراحل سعيد محمد المسلم من تاريخٍ يُحفظ إلى إنسانٍ يُكتب

بقلم : عاطف بن علي ألأسود

رحلة إبداعية تمتد بين ذاكرة الأب والتجربة الأدبية للابن، حيث التاريخ يصبح شعورًا والوجود يتحول إلى نص يُعاش
فليس كل من كتب التاريخ بقي ولا كل من كتب الأدب أثر
لكن هنا حكاية مختلفة تروى بين ذاكرة أب خالد ووجدان ابن مبدع

في زمن تستهلك فيه الأسماء سريعاً وتبهت فيه الذاكرة تحت وطأة العابر تظل هناك قامات لا تقاس بحجم حضورها الإعلامي بل بعمق أثرها الممتد في الزمن وهنا نقف أمام تجربة مختلفة يتجاور فيها التاريخ مع الأدب ويتعانق فيها التوثيق مع الإبداع من خلال اسم الدكتور سامي محمد سعيد المسلم ووالده الراحل سعيد محمد المسلم رحمه الله

ليس من السهل أن يولد الإنسان في بيت كتبت فيه الذاكرة بمداد الوعي لكن الأصعب أن يكون امتداداً حقيقياً لها دون أن يكون ظلاً لها وهذا ما نجح فيه الدكتور سامي بجدارة إذ لم يكن تكراراً لتجربة والده بل إعادة تشكيل لها بروح جديدة تنتمي للأدب كما ينتمي الأصل للتاريخ

لقد كان الوالد رحمه الله من أولئك الذين أدركوا أن الأمم لا تبنى بالحاضر وحده بل تصان بذاكرتها فكتب وسجل ووثق حتى أصبح اسمه حاضراً في ذاكرة المكان والإنسان ومرجعاً مهماً في توثيق التحولات الاجتماعية والثقافية لم يكن مجرد مؤرخ بل كان حارساً للذاكرة وصوتاً أميناً نقل للأجيال صورة زمن كان يمكن أن يضيع لولا قلمه

ومن هذا الإرث خرج الابن لا ليحمله كما هو بل ليعيد صياغته بلغة أقرب إلى الإنسان في كتابات الدكتور سامي نشعر أن التاريخ لم يعد أحداثاً تروى بل أصبح مشاعر تعاش لم يعد الماضي مجرد سرد بل تجربة حية تتكرر داخل الإنسان كلما واجه قدره أو تصالح مع زمنه أو فقد شيئاً من ذاته

يكتب الدكتور سامي وكأنه يلتقط ما لا يقال ويمنح الصوت لما يكتم ويعيد للإنسان حضوره في زمن يزداد فيه الغياب نصوصه ليست للقراءة العابرة بل للتأمل والتوقف وربما لإعادة النظر في أشياء نظن أننا نعرفها

في أعماله لا نجد انفصالاً بين الفلسفة والحياة بل اندماجاً عميقاً بينهما يتحدث عن القدر من خلال إنسان بسيط ويكتب عن الزمن عبر تفاصيل يومية ويتناول الحب كقيمة تمنح الحياة معناها أو تسلبها حين تغيب

وهنا تتجلى قوة التجربة القدرة على أن يكون عميقاً دون تعقيد وقريباً دون سطحية

أما اللغة فهي هادئة لكنها نافذة بسيطة لكنها محملة بدلالات لا تستعرض نفسها بل تخدم المعنى وتترك أثرها في القارئ دون ضجيج

ولعل أكثر ما يلفت في هذه التجربة ذلك التوازن بين الامتداد والتجدد فالأب رحمه الله حفظ الذاكرة ودوّنها والابن أعاد إحياءها بطريقة أكثر التصاقاً بالإنسان وأكثر تعبيراً عن صراعاته

ولأن التجربة الحقيقية لا تكتمل إلا بما تتركه من أثر مكتوب فقد جاءت إصدارات الدكتور سامي شاهداً حياً على هذا الامتداد بين الفكر والإحساس ففي رواية “تراتيل الأقدار” يضع القارئ أمام مواجهة مباشرة مع المصير حيث تتحول الحياة إلى تحولات مفاجئة تعيد تشكيل الإنسان بينما تتصاعد هذه الرؤية في “طوفان الأقدار” لتطرح أسئلة الوجود الكبرى حول الاختيار والقدر وحدود القدرة الإنسانية

وفي “عندما تنهار الجدران” يقترب من الواقع الاجتماعي كاشفاً لحظات الانكشاف الإنساني حين تسقط الحواجز وتظهر الحقيقة كما هي أما في الشعر فإن “تناتيف من زمن التيه” و”شذرات من وحي الروح” يقدمان صوتاً وجدانياً عميقاً تتكثف فيه المشاعر بين الحب والفقد بينما يعكس “خربشات من عوالق الزمن” تنوعه الإبداعي في الجمع بين الشعر والسرد والتأمل الفلسفي

ويمتد عطاؤه إلى الجانب الإنساني والتثقيفي من خلال إصداراته الطبية مثل كتيبه عن التهاب الجلد التحسسي وكتابه “حكايات من عنابر المستشفيات” إلى جانب “مقتطفات من وحي الفكر” الذي يعكس عمق اشتغاله على قضايا الإنسان والمجتمع

إننا أمام نموذج لا يتكرر كثيراً بيت أنجب المعرفة في صورتين: صورة المؤرخ الذي صان التاريخ وصورة الأديب الذي منح هذا التاريخ روحاً جديدة

وهنا لا يكون الحديث مجرد إشادة بشخص بل تقدير لمسار كامل بدأ بقلم صادق حمل هم التوثيق واستمر بقلم مبدع حمل هم الإنسان

رحم الله سعيد محمد المسلم وأطال عمر الإبداع في الدكتور سامي محمد سعيد المسلم الذي يواصل كتابة الإنسان كما لو أنه يكتبنا جميعاً

أبرز إصداراته
• رواية “تراتيل الأقدار”
• “خربشات من عوالق الزمن” (شعر وقصص)
• “تناتيف من زمن التيه” (شعر)
• رواية “طوفان الأقدار”
• كتيب طبي عن التهاب الجلد التحسسي (2005)
• رواية “عندما تنهار الجدران”
• ديوان “شذرات من وحي الروح”
• كتاب “مقتطفات من وحي الفكر”
• “حكايات من عنابر المستشفيات”

“بين قلمٍ حفظ الذاكرة وقلمٍ أعاد صياغة الإنسان، يكتب سامي المسلم سيرة لا تُقرأ فقط… بل تُعاش.”

عاطف بن علي الأسود
مستشار في الاقتصاد الصحي
باحث وإعلامي متخصص
للتواصل
Email: sir.atif@hotmail.com
X: @alaswadatif

اترك رد

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top