حين تهدم الكلمات ما لا تهدمه الايام

بقلم : عاطف بن علي الأسود

في مجتمعاتنا التي تقوم على المودة وصلة القربى والعلاقات الاخوية المتجذرة عبر السنين قد لا يأتي الخطر من عدو ظاهر بل من كلمة عابرة تحمل في طياتها ما ليس فيها وتصل الى من لم يسمعها بصورتها الحقيقية فتتحول من حديث عادي الى شرارة فتنة تقطع ما بني على الثقة وتفتح ابواب الشك بين القلوب التي طالما اجتمعت على الصفاء

هناك من جعل من نقل الكلام وتلوينه مهنة غير معلنة يمارسها بمهارة ظاهرها النصح وباطنها التفريق ينقل الحديث من مجلس الى مجلس ويضيف اليه ما يثير ويوقظ الحساسيات ويختار التوقيت الذي تكون فيه النفوس قابلة للاشتعال فينجح في زرع شرخ صغير سرعان ما يتسع اذا لم يجد من يوقفه عند حده او يتحقق من صدقه

والسؤال الذي يفرض نفسه هل هذا السلوك ناتج عن مرض نفسي ام هو انعكاس لغيرة اجتماعية او شعور بالنقص قد يكون الامر خليطا من هذا وذاك فبعض النفوس لا ترتاح لرؤية علاقات متماسكة فتسعى لهدمها لتشعر بتوازن داخلي مفقود وبعضها يجد في اثارة الاحداث نوعا من الحضور والتأثير حتى لو كان الثمن خسارة الاخرين

لكن ما يزيد الاستغراب ليس فقط من ينقل الكلام بل من يتلقاه دون تمعن فيأخذه بروح عدائية او ينكفئ على نفسه وكأن ما سمعه حقيقة مطلقة لا تقبل الشك وهنا تكمن الخطورة الحقيقية حين يتحول السامع من متلق الى طرف في المشكلة فيبني مواقفه على ظنون ويغير نظرته لمن حوله دون ان يمنحهم فرصة التوضيح او حتى السؤال الهادئ فيصبح اسيرا لما سمع لا لما تحقق منه

ولو ان الانسان تحلى بشيء من الحذر وادرك ان ليس كل ما يصل الى اذنه يستحق ان يسكن قلبه لما وجد مروجو الفتن طريقا اليه فالاذن بوابة والعقل هو الحارس فان غاب الحارس دخل كل عابر سبيل وعبث بما شاء وهنا تتجلى الحكمة في الابتعاد عما يثير الريبة وعدم الانجرار خلف كل قول حتى لا يجد الانسان نفسه وقد صنع له اعداء وهو لا يدري

وقد جاء التوجيه الواضح في القرآن الكريم (يا ايها الذين امنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ان تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) وهي دعوة صريحة الى التثبت وعدم التسرع في الحكم على الاخرين بناء على كلام منقول قد يكون مشوها او مجتزأ

ويؤكد المثل المتداول بين الناس ان من سمع كلام الناس عاش قلقا وهي خلاصة تجربة اجتماعية طويلة تشير الى ان الانصات لكل ما يقال دون تمحيص يورث الشك ويهدم الطمأنينة ويقود الى توتر العلاقات

اما الحكمة في التعامل مع هذه الظواهر فلا تكمن فقط في تجاهل ناقل الكلام بل في وعي السامع نفسه وقدرته على الفرز بين ما يستحق الانتباه وما يجب ان يمر مرور الكرام فليس كل حديث يرد يستحق الوقوف عنده وليس كل كلمة تستوجب رد فعل

وفي النهاية لا اكتب هذا الحديث من باب التنظير فقط بل من تجربة عشت تفاصيلها مع اعز الاصدقاء علاقة امتدت لاكثر من اربعين عاما اخويا وعائليا تعرضت خلالها لمثل هذه المحاولات التي كان يمكن ان تهدم كل شيء لولا ان الوعي كان حاضرا والثقة كانت اقوى من كل كلمة عابرة فبقيت العلاقة كما هي بل اكثر رسوخا واثبتت لي ان العلاقات الحقيقية لا تكسرها الاوهام ولا تهزها النقولات

لهذا يبقى الرهان دائما على العقل والحكمة لا على ما يقال ويبقى الانسان الواعي هو من يختار ان يسمع بعقله لا باذنه فقط ويحفظ علاقاته من عبث من لا يملكون الا الكلام وسيلة لصناعة العداوات

sir.atif@hotmail.com
X @alaswadatif

اترك رد

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top