بقلم : أ.د.عبدالحليم موسى
كشفت دراسة حديثة أعدّها محمد عبدالله بن جويعد وناصر زيد الدوسري، بمشاركة محمد يحيى الصباطي ونواف نوفل الثميري، عن أبرز التحديات التي تواجه الأندية السعودية في استقدام الكوادر الرياضية المحترفة، وذلك في ظل التحول المتسارع الذي يشهده القطاع الرياضي تماشياً مع رؤية المملكة 2030.
وتأتي هذه النتائج في لحظة تاريخية لم يعد فيها النجاح الرياضي وليد الصدفة أو رهين موهبة فردية، بل أصبح انعكاساً مباشراً لكفاءة الأنظمة وقدرتها على مواكبة إيقاع العالم، فالأندية اليوم لا تبحث فقط عن لاعب مميز أو مدرب صاحب خبرة، بل تبحث عن منظومة متكاملة تستطيع أن تحتضن هذا التميز وتمنحه الاستقرار الذي يصنع الإنجاز.
وأظهرت نتائج الدراسة وجود مستوى وعي مرتفع لدى العاملين في الأندية والجهات ذات العلاقة بالإجراءات والأنظمة المعمول بها، حيث يعتمدون بشكل كبير على المنصات الحكومية الرسمية كمصدر رئيسي للمعلومات، غير أنّ هذا الوعي، رغم أهميته، يقف أحياناً عاجزاً أمام تعقيدات الواقع العملي، حيث تتداخل الجهات، وتتعدد المنصات، وتتشابك الخطوات في مسارٍ إداري لا يعكس دائماً سرعة الميدان.
وتشير المعطيات إلى أنّ تعدد المرجعيات الإدارية وتوزع المسؤوليات بين جهات مختلفة يسهمان في إبطاء إجراءات الاستقدام، خاصة خلال فترات الانتقالات التي لا تعترف بالتأخير، ففي تلك اللحظات لا يكون الزمن مجرد عاملٍ إداري، بل يصبح شريكاً في صناعة القرار، وقد يتحول التأخير إلى خسارةٍ لا تُعوّض، سواء على مستوى التنافس أو الاستثمار.
كما بيّنت الدراسة أنّ طول الدورة المستندية وتكرار إدخال البيانات عبر أكثر من منصة يضيفان عبئاً إضافياً على الأندية، في وقتِِ يفترض أن تكون فيه الإجراءات أكثر مرونة وانسيابية، فبدلاً من أن تكون التقنية جسراً للتسهيل، تتحول في بعض الحالات إلى مسارات متفرقة تحتاج إلى جهد مضاعف، وهو ما يتنافى مع طبيعة الرياضة الحديثة التي تقوم على السرعة والدقة.
ولم تغفل الدراسة الأثر الفني والمالي لهذه التحديات، حيث أكدت أنّ تأخر إصدار التأشيرات والإقامات قد يؤدي إلى تأخر انضمام اللاعبين والمدربين، مما ينعكس سلباً على برامج الإعداد والاستقرار الفني، كما يترتب على ذلك أعباء مالية تتحملها الأندية نتيجة الالتزامات التعاقدية دون تحقيق الاستفادة الكاملة، وهو ما يضعف من كفاءة الاستثمار الرياضي.
وفي قراءة أعمق لهذه النتائج، يبدو المشهد وكأنّه اختبار حقيقي لقدرة المنظومة على التكيف مع متطلبات العصر؛ فبين طموحٍ يتسارع نحو العالمية، وإجراءاتٍ لا تزال تبحث عن إيقاعها، تتشكل معادلة دقيقة تحتاج إلى إعادة توازن، لا عبر تغيير القوانين فقط، بل من خلال إعادة تصميم التجربة الإدارية بأكملها.
وأكدت الدراسة أنّ وجود منصة إلكترونية موحدة يمثل أحد المفاتيح الأساسية لتجاوز هذه التحديات، حيث أظهرت التحليلات الإحصائية علاقة طردية قوية بين توحيد المنصات وسرعة إنجاز عمليات الاستقدام. كما أشارت إلى أنّ وضوح الأدوار والمسؤوليات بين الجهات المعنية يسهم في تقليل التعقيد ورفع كفاءة الأداء، في مشهد يعكس أن البساطة التنظيمية قد تكون أكثر فاعلية من التعقيد الإداري.
كما أوصت بضرورة تطوير مسارات سريعة (Fast-Track) مخصصة للكوادر الرياضية المحترفة، بما ينسجم مع طبيعة القطاع الذي لا ينتظر؛ فالأندية التي تملك القدرة على التحرك بسرعة، هي الأقدر على المنافسة، وهي الأقرب إلى تحقيق الاستقرار الفني الذي يُبنى عليه النجاح.
وفي هذا المنحى تبرز أهمية العنصر البشري بوصفه حجر الزاوية في أي تحول مؤسسي، فالنظام مهما بلغ من التطور، يظل بحاجة إلى عقلٍ يديره بكفاءة، وروحٍ تدرك قيمة الوقت، وقدرةٍ على اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة، وهو ما يتقاطع مع ما أشار إليه خبير القيادة والتدريب جون ماكسويل حين قال: “التغيير الحقيقي لا يحدث عندما تتغير الأنظمة فقط، بل عندما يتطور الأشخاص الذين يديرونها”.
وتعكس هذه الدراسة، في مجملها، تحوّلاً في فهم الرياضة بوصفها منظومة متكاملة، لا تُقاس إنجازاتها بعدد البطولات فقط، بل بقدرتها على بناء بيئة احترافية جاذبة ومستدامة. فحين يشعر الرياضي أنّ كل ما حوله يعمل بانسجام، من الإجراءات إلى التنظيم، يتحول عطاؤه من أداءٍ عادي إلى إبداعٍ يصنع الفارق.
وفي ظل ما يشهده القطاع الرياضي السعودي من قفزات نوعية، تبدو هذه التحديات جزءاً من مرحلة انتقالية طبيعية، لكنها في الوقت ذاته تمثل فرصة لإعادة بناء الأنظمة بشكل أكثر مرونة وذكاء. فالدول التي نجحت في تصدير رياضتها إلى العالم لم تعتمد فقط على النجوم، بل على أنظمةٍ قادرة على احتضانهم وتحويل وجودهم إلى قيمة مضافة مستدامة.
وفي نهاية المطاف، يبقى الرهان الحقيقي على قدرة المنظومة على تحويل الإجراءات من عبءٍ إداري إلى أداة تمكين، وعلى جعل السرعة والدقة جزءاً من ثقافتها المؤسسية، حينها فقط، لن تكون الأندية السعودية في سباقٍ مع الزمن، بل ستصبح شريكاً في صناعته، تقوده بثقة، وتكتب من خلاله فصلاً جديداً في تاريخ الرياضة الحديثة.

