لماذا اصبح الكل خبيراً ؟

بقلم : رغد الغامدي

قبل سنوات، عندما كان شخص ما لا يعرف إجابة سؤال معين، كانت العبارة الأكثر شيوعاً هي: “لا أعلم” لم تكن جملة محرجة بل كانت طبيعية فالإنسان لا يمكن أن يعرف كل شيء ولم يكن أحد يتوقع منه ذلك اليوم يبدو أن هذه العبارة أصبحت من أندر العبارات في حياتنا اليومية ففي زمن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الجميع يملك إجابة عن كل شيء يظهر مرض جديد في العالم فتظهر معه آلاف التحليلات الطبية من أشخاص لم يدرسوا الطب يوماً ترتفع أسعار سلعة ما، فيتحول الجميع إلى خبراء اقتصاد.
يقع حدث سياسي في دولة بعيدة، فنجد محللين استراتيجيين أكثر من عدد العاملين في وزارات الخارجية
حتى في القضايا البيئية والعلمية والطبية و المتخصصة، أصبح الرأي أعلى صوتاً من المعلومة لا أعتقد أن المشكلة تكمن في مشاركة الناس لأفكارهم فالحوار الصحي وتبادل الآراء جزء أساسي من أي مجتمع حي لكن المشكلة تبدأ عندما تختفي الحدود بين الرأي والمعرفة وبين الانطباع الشخصي والخبرة المتخصصة وبين ما نعتقده وما نعرفه فعلاً ، في الماضي كان الوصول إلى المعلومة صعباً أما اليوم فالمشكلة أصبحت معاكسة تماماً المعلومات متوفرة بكثرة لكن القدرة على التمييز بينها أصبحت أكثر صعوبة فخلال دقائق قليلة يستطيع أي شخص العثور على عشرات المقالات التي تؤيد فكرة معينة، وعشرات أخرى تعارضها ويستطيع أن يختار منها ما يناسب قناعته المسبقة فتتحول المعرفة احياناً إلى عملية انتقائية لا إلى عملية بحث حقيقي عن الحقيقة.

ومن الملاحظ أن الثقة أصبحت تُمنح احياناً بناءً على عدد المتابعين أكثر من حجم المعرفة.
تعطى الثقة احيانا ليس لمن لديه وثائق وادله صحيحة بل لمن محبينه اكثر
فقد يقضي باحث سنوات طويلة في دراسة موضوع معين، ثم يجد أن رأيه العلمي ينافسه رأي شخص آخر لم يقرأ في المجال سوى بضع صفحات لكنه يمتلك جمهورا أكبر.
هذه ليست مشكلة تتعلق بالأفراد بقدر ما هي نتيجة طبيعية لطبيعة المنصات الحديثة فالمنصات تكافئ السرعة أكثر من التحقق وتكافئ الثقة المطلقة أكثر من التردد العلمي واحياناً كثرة اعادة نشر المعلومة تعطيها صدق لم يكن لها اذا لم يكن متاح شراء معيدين النشر لها لتتحول المعلومة إلى حقيقة في أذهان الناس لمجرد أنها تكررت كثيراً، لا لأنها خضعت للتحقق أو استندت إلى دليل وذلك لاثبات فكرة شخصية.
بينما يقوم العلم اصلاً على الشك المنهجي وعلى مراجعة الأدلة وعلى الاعتراف بإمكانية الخطأ.
ولهذا السبب تبدو اللغة العلمية احياناً أقل جاذبية للجمهور
فالعالم يقول: “تشير الأدلة الحالية إلى…”
بينما يقول صاحب الرأي الجازم: “اعتقد ان الحقيقة هي..” ويكون أكثر إقناعا لأن الاعتقاد الشخصي ترأس مضمون الفكرة بإثبات صحة معلوماته ولعل أكثر ما يثير الاهتمام أن التطور التقني الهائل الذي منحنا قدرة غير مسبوقة على الوصول إلى المعرفة، منحنا في الوقت نفسه قدرة غير مسبوقة على نشر المعلومات غير الدقيقة فأصبح التحدي الحقيقي في عصرنا ليس العثور على المعلومة.
بل معرفة أي المعلومات تستحق الثقة.
وأي المصادر تستحق أن تُبنى عليها المواقف والقرارات.
ربما لهذا السبب أصبحت مهارة التفكير النقدي واحدة من أهم المهارات في القرن الحادي والعشرين.
ليس لأننا نفتقر إلى المعلومات بل لأننا نغرق فيها.
وفي خضم هذا الضجيج المتواصل، قد تكون عبارة “لا أعلم” أكثر قيمة مما نتخيل فهي ليست اعترافاً بالجهل بل اعتراف بأن الحقيقة أكبر من أن نختصرها في رأي سريع أو منشور عابر وربما يكون أول طريق المعرفة الحقيقية هو التواضع أمامها فكلما اتسعت دائرة ما نعرفه، أدركنا أن هناك مساحة أكبر مما كنا نظن لما لا نعرفه .
……….
رغد سعيد الغامدي
المنطقة الغربية – الطائف
المملكة العربية السعودية
@raghad_saeed

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top