” البر بين الواجب والعبادة: حين يصبح البر نبضًا لا موعدًا “

بقلم : نوال السعد

زيارة الوالدين واجب؟ نعم، شرعًا وعقلًا وخلقًا. لكن الواجب وحده لا يروي قلبًا أنهكه الشوق، ولا يمسح تجاعيد تعبت من الانتظار. البر الحقي أبعد من إسقاط التكليف؛ هو أن تدخل البيت فتبحث بعينك: هل ناقصهم شيء؟ هل في صوتهم تعب لم يقولوه؟ هل يبتسمون لك لأنهم اشتاقوا، أم يجاملون لأنك “أديت اللي عليك”؟

الفرق المؤلم
الواجب يقول: “زرتهم الخميس، تمّت المهمة.”
والعبادة تقول: “كلمتهم اليوم، سمعت صوت أمي، ضحكت على كلمة قالها أبي، وحسيت أني خففت عنهم ولو قليل.”

وهل يكفي أسبوعيًا؟ يكفي أمام الناس، لكنه لا يكفي أمام قلب أم تعد الدقائق. البر الذي يرضي الله ويشفي قلبك هو أن يكونوا حاضرين في يومك، لا في جدولك. رسالة في الظهر، سؤال عن دواء، مرور وأنت راجع من الدوام “لأن الطريق قريب”. هذه ليست زيادة، هذه روح البر.

بنور القرآن
لهذا قرن الله الإحسان للوالدين بالتوحيد: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]. ووصّى الإنسان بوالديه “حُسنًا” [العنكبوت: 8]، والحُسن لا يكون بمجرد الحضور، بل بطيب القول وصدق النية. ويذكّرنا بتعب الأم: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: 14]، فكيف يليق بردّ هذا الجميل بموعد سريع لا يحمل من القلب شيئًا؟

وبميزان النبي ﷺ
قال ﷺ: “رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين” [الترمذي]. وكل ابتسامة تدخلها على أبيك، وكل كلمة لينة تسمعها أمك، هي طريق لرضا الله. ولما سُئل ﷺ عن أحب العمل إلى الله بعد الصلاة، قال: “بر الوالدين” [متفق عليه]. فالبر ليس مجرد واجب اجتماعي، بل عبادة تُوزن في ميزان محبة الله.

وما قاله الشعر ليوقظ الغافل
قال المتنبي:
أطاعَتْكَ عِصياني فَصرتَ مُطاعًا وبِرّكَ بي بِرٌّ يَجِلُّ فَيَسْمُو_
وقال آخر:
أبوكَ وأمكَ أحقُّ الناسِ بصحبتِكَ فلا تَبخَلَنَّ عليهما بِبِشرٍ ولا بِمالِ
_فإنَّ الجِنانَ تحتَ أقدامهما وإنَّ دُعاءَهما لكَ سِهامٌ لا تُخطي

حين تتقدم الأولويات الأخرى
لا أحد يطلب أن تهدم بيتك لأجلهم، لكن الخطر أن تصبح زيارتهم آخر بند بعد عزايم الأصدقاء وطلعات العيال وروتين الزوجة. وقتها يتحول البر إلى صدقة باردة، تعطيها وأنت مجهد، فلا تصل حرارتها لهم.

اسأل نفسك بصدق
لو علمت أن هذه آخر زيارة، هل ستكتفي بالسلام السريع؟ أم ستجلس، ستصغي، ستضحكهم، وتقبّل رأس أمك وأنت تدعو في سرك: يا رب لا تحرمني من دعوتها؟

الخلاصة
الواجب يمنعك من العقوق، أما العبادة فتجعلك تسابق لتقبيل يد أمك قبل أن تطلب، وتسأل عن أبيك قبل أن يشتكي. البر عبادة لأن فيه سرًّا: كلما أدخلت السرور على والديك، أدخله الله على قلبك أضعافًا. فاخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وقل: ﴿رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 24].

الفرق بين “أديت واجبي” و”اشتقت لهم” هو الفرق بين من يُؤدي، ومن يُحب.
——————

نوال السعد
المنطقة الشرقية – الدمام
المملكة العربية السعودية
@snaaa_team

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top