” حين يتحول العطاء إلى حياة مركز السيد علي الناصر السلمان رحمه الله مشروع صحي أعاد تعريف المسؤولية المجتمعية في المنطقة الشرقية

بقلم : عاطف بن علي الأسود

في مسيرة الأوطان تبقى بعض المشروعات مجرد منشآت تقدم خدماتها اليومية ثم تصبح جزءاً من المشهد المعتاد بينما تتحول مشروعات أخرى إلى علامات فارقة في تاريخ التنمية لأنها لا تبنى بالحجر وحده بل تبنى بالرؤية والإيمان العميق بقيمة الإنسان وبحقه في حياة أكثر صحة وطمأنينة

ومن هذا النوع من المبادرات الاستثنائية يبرز مركز السيد علي الناصر السلمان للفحص الشامل والكشف المبكر عن الأورام بمحافظة القطيف بوصفه واحداً من أبرز المشاريع الصحية المجتمعية في المنطقة الشرقية وتجربة وطنية جديرة بالتأمل والتوثيق

لم يكن هذا المشروع بالنسبة إلى السيد علي الناصر السلمان رحمه الله مجرد عمل خيري تقليدي أو مساهمة مالية تنتهي بافتتاح مبنى جديد بل كان امتداداً لقناعة راسخة بأن أعظم ما يقدمه الإنسان للناس هو ما يحفظ حياتهم ويخفف آلامهم ويمنحهم فرصة جديدة للأمل

تشير المعلومات المتداولة لدى المقربين والمطلعين على مراحل المشروع إلى أن الفكرة بدأت بمركز متخصص للكشف المبكر عن الأورام بتكلفة أولية قدرت بنحو اثني عشر مليون ريال سعودي إلا أن الرؤية الإنسانية لصاحب المبادرة كانت أكبر من حدود المشروع الأولي إذ رأى أن احتياجات المجتمع الصحية تتطلب منظومة متكاملة لا تقتصر على التشخيص وحده

ومع تطور مراحل التنفيذ توسع المشروع بصورة متسارعة ليتحول إلى مجمع صحي متكامل تجاوزت استثماراته خمسة وعشرين مليون ريال ثم وصلت القيمة الإجمالية لمكوناته الصحية والخدمية إلى ما يقارب أربعين مليون ريال سعودي وفق ما تم تداوله في مراحل المشروع المختلفة ليصبح واحداً من أكبر نماذج الشراكة المجتمعية الصحية في المنطقة الشرقية

لقد قدم هذا المشروع مفهوماً جديداً للعمل الخيري الصحي حيث لم يعد العطاء مرتبطاً بتقديم الدعم الآني بل أصبح استثماراً طويل الأمد في صحة الإنسان وجودة حياته

ويتميز المركز بعدد من الخدمات النوعية التي جعلته يشكل إضافة مهمة للمنظومة الصحية في المنطقة الشرقية من أبرزها خدمات الفحص الشامل والكشف المبكر عن الأورام وبرامج الكشف عن سرطان الثدي باستخدام أجهزة الماموغرام الحديثة وخدمات الكشف المبكر عن سرطان البروستات وعنق الرحم ووحدات المناظير وعمليات اليوم الواحد والأشعة فوق الصوتية إضافة إلى المختبر المرجعي المركزي الذي يخدم أكثر من واحد وثلاثين مركزاً صحياً بمحافظة القطيف

كما يضم المشروع خدمات طب الأسرة والفحوصات الوقائية وفحوصات ما قبل الزواج والفحوصات الخاصة بالطلاب والمتقدمين للوظائف إلى جانب برامج التوعية والتثقيف الصحي التي تستهدف تعزيز ثقافة الوقاية بين أفراد المجتمع

وتكمن أهمية هذا المشروع في أنه نقل مفهوم الرعاية الصحية من مرحلة انتظار المرض إلى مرحلة استباقه فمن المعروف أن الكشف المبكر عن كثير من الأمراض السرطانية يسهم في رفع نسب الشفاء وتقليل المضاعفات وخفض تكاليف العلاج وتخفيف الأعباء النفسية والاجتماعية التي تتحملها الأسر

ومن منظور الاقتصاد الصحي فإن هذا المشروع يمثل نموذجاً بالغ الأهمية في كفاءة الإنفاق الصحي فكل ريال ينفق على الوقاية والكشف المبكر يوفر أضعافه من تكاليف العلاج المتأخر ويحد من الحاجة إلى التدخلات الطبية المعقدة ويعزز استدامة الخدمات الصحية ويحافظ على إنتاجية الإنسان وجودة حياته

كما أن المشروع يعكس مستوى النضج الذي بلغته ثقافة المسؤولية المجتمعية في المملكة العربية السعودية حيث أثبتت هذه التجربة أن التعاون بين المبادرات الفردية والمؤسسات الصحية قادر على إحداث تحول حقيقي في حياة الناس وأن التنمية الصحية لم تعد مسؤولية جهة واحدة بل أصبحت مسؤولية مشتركة تتكامل فيها جهود الدولة والمجتمع والأفراد

ولعل الأثر الأجمل لهذا المشروع لا يمكن قياسه بالأرقام وحدها فهناك مريض اكتشف إصابته في وقت مبكر فكانت فرصته في الشفاء أكبر وهناك أم عادت إلى منزلها مطمئنة بعد أن بددت الفحوصات مخاوفها وهناك أسرة نجت من رحلة طويلة من المعاناة لأن قرار الفحص جاء في الوقت المناسب

إن هذه التفاصيل الإنسانية الصغيرة هي التي تمنح المشروع قيمته الحقيقية وهي التي تجعل اسم السيد علي الناصر السلمان رحمه الله حاضراً في ذاكرة المجتمع ليس بوصفه صاحب مبادرة خيرية فحسب بل بوصفه إنساناً آمن بأن خير ما يتركه المرء بعد رحيله أثر نافع يمتد إلى الناس جيلاً بعد جيل

وفي ظل ما تشهده المملكة العربية السعودية من تطور كبير في القطاع الصحي ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030 يأتي هذا المشروع شاهداً على أن الاستثمار في الوقاية هو الاستثمار الأكثر حكمة وأن بناء الإنسان صحياً هو أساس بناء المجتمع المزدهر والقادر على مواجهة تحديات المستقبل

لقد رحل السيد علي الناصر السلمان رحمه الله وبقي مشروعه حياً يؤدي رسالته كل يوم وبقيت خلفه دعوات المرضى وامتنان الأسر وشهادات المجتمع بأن بعض الرجال لا تنتهي رحلتهم برحيلهم بل تبدأ مرحلة جديدة من العطاء من خلال ما غرسوه من خير وما تركوه من أثر وما صنعوه من أمل في حياة الآخرين

وهكذا فإن مركز السيد علي الناصر السلمان للفحص الشامل والكشف المبكر عن الأورام لا يمثل مجرد منشأة صحية في محافظة القطيف بل يمثل مدرسة متكاملة في المسؤولية المجتمعية ورسالة إنسانية تؤكد أن أعظم الثروات ليست ما نملكه لأنفسنا بل ما نهبه للناس من صحة وطمأنينة وفرص جديدة للحياة وأن الإرث الحقيقي لا يكتب في دفاتر الحسابات بل في القلوب التي لامسها الخير والأرواح التي منحها الأمل حياة جديدة

عاطف بن علي الأسود
إعلامي وباحث اقتصادي ومستشار أعلى في الاقتصاد الصحي وتحليل حسابات التكاليف
دراسات عليا في الاقتصاد الصحي من جامعة شفيلد بالمملكة المتحدة
X: @alaswadatif
Email: sir.atif@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top