بقلم : عاطف بن علي الأسود
لم يعد الحديث عن الصحة في العصر الحديث يقتصر على المستشفيات والأدوية والخدمات العلاجية بل أصبحت الصحة تمثل استثمارا استراتيجيا يرتبط بجودة الحياة واستدامة التنمية وقدرة الاقتصاد الوطني على تحقيق النمو المستدام وفي المقابل لم تعد البيئة قضية منفصلة عن التنمية بل غدت شريكا رئيسيا في صناعة مستقبل الإنسان وحماية موارده
ومن هنا يبرز التكامل بين الاقتصاد الصحي ومحاسبة البيئة بوصفه أحد أهم المسارات الحديثة التي تعيد صياغة مفهوم التنمية الشاملة وتضع صحة الإنسان في قلب السياسات الاقتصادية والبيئية وهو التوجه الذي تنسجم معه رؤية المملكة العربية السعودية بقيادة مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود و سيدي سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حفظهما الله وهما يقودان مسيرة تحول وطني طموحة نحو بناء مجتمع أكثر صحة واقتصادا أكثر كفاءة وبيئة أكثر استدامة
فالاقتصاد الصحي لم يعد يقتصر على دراسة تكاليف العلاج بل أصبح علما يقيس القيمة الحقيقية للاستثمار في الوقاية وجودة الخدمات الصحية وتحسين حياة الإنسان بينما توفر محاسبة البيئة أدوات دقيقة لقياس الأثر الاقتصادي للتلوث واستنزاف الموارد الطبيعية وانعكاس ذلك على الصحة العامة والإنفاق الحكومي والإنتاجية الوطنية بما يدعم صناعة القرار القائم على الأدلة والمؤشرات
وتؤكد الدراسات العالمية أن تراجع جودة البيئة يؤدي بصورة مباشرة إلى ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة وأمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية وهو ما ينعكس على زيادة الإنفاق الصحي وانخفاض الإنتاجية وارتفاع التكلفة الاقتصادية على الدولة والمجتمع وفي المقابل فإن الاستثمار في تحسين جودة الهواء والمحافظة على الموارد الطبيعية والحد من التلوث يعد من أكثر الاستثمارات كفاءة من الناحية الصحية والاقتصادية لأنه يحقق نتائج بعيدة المدى ويخفض الحاجة إلى الإنفاق العلاجي مستقبلا
وفي المملكة العربية السعودية يتجسد هذا التوجه من خلال التحول الكبير الذي يشهده القطاع الصحي بالتوازي مع المبادرات الوطنية الرامية إلى حماية البيئة وتعزيز الاستدامة حيث لم تعد الوقاية خيارا ثانويا بل أصبحت جزءا أساسيا من التخطيط الصحي كما أصبح استخدام التحليل الاقتصادي في تقييم البرامج الصحية وسيلة تساعد متخذي القرار على تحقيق أفضل النتائج بأفضل استخدام ممكن للموارد بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في رفع جودة الحياة وتعزيز كفاءة الإنفاق وتحقيق التنمية المستدامة
ومن خلال متابعة التجارب الدولية يتضح أن الدول المتقدمة لم تنظر إلى الاقتصاد الصحي بوصفه وسيلة لإدارة تكاليف العلاج فحسب بل جعلته أحد أهم محركات التنمية المستدامة إلى جانب حماية البيئة باعتبارهما الشريان النابض لصحة الإنسان وجودة حياته فكل استثمار في الهواء النقي والمياه الآمنة والغذاء الصحي والحد من التلوث ينعكس بصورة مباشرة على انخفاض معدلات الأمراض وتقليل الإنفاق الصحي ورفع الإنتاجية وتعزيز جودة الحياة ولهذا أصبحت سياسات الاقتصاد الصحي ومحاسبة البيئة جزءا أساسيا من منظومة صنع القرار في تلك الدول
ومن هذا المنطلق فإن التحول الذي تشهده المملكة العربية السعودية من خلال الشركة القابضة والتجمعات الصحية يمثل فرصة استراتيجية لترسيخ هذا المفهوم بصورة أكثر شمولا بحيث لا يقتصر الاهتمام على تقديم الخدمات العلاجية فحسب بل يمتد إلى الاستثمار في الوقاية وتعزيز الصحة والارتقاء بجودة البيئة وتحقيق أعلى كفاءة في استخدام الموارد المالية والبشرية
كما أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من الكفاءات الوطنية المتخصصة في الاقتصاد الصحي ومحاسبة البيئة وإشراكها في التخطيط الاستراتيجي داخل التجمعات الصحية لما تمتلكه من أدوات علمية قادرة على قياس العائد الاقتصادي للبرامج الصحية وتحليل أثر العوامل البيئية على صحة المجتمع وتقييم كفاءة الإنفاق بما يسهم في تقليل المصروفات المالية وتحسين جودة الخدمات الصحية وتعزيز الاستدامة وتحقيق أفضل النتائج الصحية بأقل تكلفة ممكنة وهو ما يمثل أحد المرتكزات الأساسية لتحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030
إن المرحلة التي تعيشها المملكة اليوم تمثل نموذجا متقدما في بناء منظومة متكاملة تتقاطع فيها الصحة مع البيئة والاقتصاد ضمن رؤية واحدة تؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان وأن حماية البيئة ليست مسؤولية منفصلة بل جزء من حماية صحة المجتمع وتعزيز جودة الحياة
ولعل المرحلة المقبلة ستشهد بإذن الله توسعا أكبر في دمج الاقتصاد الصحي ومحاسبة البيئة ضمن منظومة التخطيط الصحي لتصبح المؤشرات البيئية جزءا من تقييم كفاءة الإنفاق الصحي وتتكامل قواعد البيانات الصحية والبيئية بما يسهم في بناء سياسات أكثر دقة واستدامة وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل
إن نجاح المملكة في هذا المسار سيؤسس لنموذج سعودي رائد يجمع بين المعرفة العلمية والإدارة الاقتصادية الرشيدة ويجعل من الاقتصاد الصحي ومحاسبة البيئة ركيزتين أساسيتين لتحقيق التنمية المستدامة وصناعة مستقبل أكثر ازدهارا وصحة للأجيال القادمة
⸻———————
للتواصل مع الكاتب والباحث
عاطف بن علي الأسود
دراسات عليا في الاقتصاد الصحي – جامعة شفيلد – المملكة المتحدة
الاقتصاد الصحي وحماية البيئة
(Health Economics and Environmental Protection)
Email:
sir.atif@hotmail.com
X:
@alaswadatif

