بقلم/ عبدالمحسن إبراهيم الشقاق
حينما يقرأ لي قارىء ما سأجد في عينيه أسئلة كثيرة، لكن إجابة واحدة جاهزة تنتظرني منه وهي:
كيف كتبت هذا؟
مستحيل أن تكون أنت من كتبه…
هذا يشبه الذكاء الاصطناعي!
ماذا فعلتم بنا؟
ماذا فعلتم بكل تلك السنوات التي قضيناها ونحن نحفر ونحفر ونحفر، حتى نصنع لأنفسنا قاعدة أدبية متينة؟ ماذا فعلتم بالليالي التي سهرنا فيها ونحن نعيد صياغة جملة واحدة عشرات المرات؟ ماذا فعلتم بكل كتاب قرأناه، وكل تجربة عشناها، وكل نص كتبناه ثم مزقناه، وكل محاولة فاشلة صنعت من محاولاتنا شيئا يشبهنا؟
هل أصبح الإتقان دليلا على التهمة؟
نعم، الذكاء الاصطناعي موجود ونعم، هناك من يستخدمه في الكتابة والرسم والتصميم، وهناك من يجعله يكتب عنه ثم ينسب العمل إلى نفسه.
هذه حقيقة لا يمكن إنكارها لكن الحقيقة الأخرى التي يبدو أن البعض عاجز عن فهمها هي أن وجود من يفعل ذلك لا يعني أن كل كاتب مُتقن استعان به، ولا أن كل رسام أبدع استخدمه، ولا أن كل مؤلف قدم عملا جيدا كان يخفي خلفه آلة.
ليس كل ما يفوق قدرتك على الكتابة كتبه الذكاء الاصطناعي.
وهنا يبرز سؤال آخر أكثر غرابة:
لماذا لا نتهم الرسام؟
حين يرى الناس لوحة متقنة، لا يقولون غالبا: من المستحيل أن يرسمها بنفسه.
بل يقولون: ما شاء الله، كم تدرب حتى وصل إلى هذا المستوى.
نرى الرسام يتطور، فنصفق لتطوره نراه ينتقل من رسم بسيط إلى أعمال مذهلة، فنقول إنه اجتهد وتعلم وصقل موهبته.
لكن حين يتعلق الأمر بالكاتب، يتغير كل شيء.
يكتب نصا أجمل من نصوصه السابقة، فنقول: هذا ليس أسلوبه.
يقدم صورة أدبية أعمق، فنقول:
لا يمكن أن يكون هو من كتبها.
ينضج أسلوبه، وتتسع لغته، وتصبح جمله أكثر إحكاما، فنقول: أكيد إنه استعان بالذكاء الاصطناعي.
لماذا أصبح تطور الكاتب موضع شك، بينما يعد تطور الرسام أمرا طبيعيا؟
لماذا نمنح الرسام حق أن يتعلم ويتطور، ثم نسلب الكاتب هذا الحق؟
الكاتب أيضا يتدرب. يقرأ. يخطئ. يقلد في بداياته. يجرب. يفشل. يعيد الكتابة. يكتشف صوته شيئا فشيئا. وقد يقضي سنوات كاملة حتى يصل إلى أسلوب لم يكن يملكه بالأمس.
النص الذي يبدو سهلا على القارئ قد يكون ثمرة سنوات من التعب لا يراها أحد.
لكننا وصلنا إلى مرحلة غريبة، أصبح الإنسان مطالبا بأن يثبت إنسانيته، لمجرد أنه كتب جيدا.
إن كان النص يشبه ما ينتجه الذكاء الاصطناعي، فهل هذا دليل؟ إن شعرت بأنه آلي، فهل شعورك أصبح وثيقة اتهام؟ إن عجزت عن تصديق أن شخصا وصل إلى هذا المستوى، فهل يصبح عجزك دليلا على عجزه؟
التشابه ليس إثباتا، والانطباع ليس دليلا، والشك ليس حقيقة.
والمشكلة أن بعضهم لا يبحث عن الحقيقة أصلا هو يريد اتهاما يلفت الانتباه ويسلط الضوء عليه. يريد أن يقول: أنا اكتشفت ما لم يكتشفه الآخرون. فيرمي كاتبا أو رساما أو مؤلفا باتهام لا يملك عليه دليلا، ثم يترك للناس مهمة إعدامه معنويا.
وهنا لا يكون قد مارس نقدا، بل مارس ظلما.
فإن كان النص ضعيفا، فناقش ضعفه. وإن كانت فكرته مسروقة، فقدم الدليل. وإن كان العمل مولدا آليا بالكامل، فاثبت ذلك. أما أن تقول: “أشعر أنه ذكاء اصطناعي” فهذه ليست قراءة ولا نقدا ولا معرفة. هذا مجرد شعور، والشعور لا يمنحك الحق في تشويه جهد إنسان.
ثم إن الاستعانة بالأدوات نفسها ليست درجة واحدة. هناك من يستخدم الذكاء الاصطناعي لتصحيح خطأ، أو ترتيب فكرة، أو تحسين صورة، وهناك من يجعله ينشئ العمل كاملا. وبين الأمرين مسافة واسعة.
فلا يصح أن تضع الجميع في سلة واحدة، ثم تصدر حكمك وأنت لا تملك حتى معرفة ما حدث خلف العمل.
لقد صنع الإنسان الذكاء الاصطناعي ليحاكيه، ثم وصلنا إلى زمن بدأ فيه الإنسان يتهم الإنسان بأنه يشبه الآلة.
يا لها من مفارقة.
أن تقضي عمرك في القراءة والتجربة والكتابة، ثم يأتي شخص لم ير من رحلتك إلا نصا واحدا، فيختصر كل تعبك بجملة باردة:
“هذا ليس منك.”
لا، انتظر قليلا، ليس من حقك أن تقول ذلك لمجرد أن النص أدهشك.
ربما لم يكن النص من الذكاء الاصطناعي ربما كان من إنسان قرأ أكثر منك، وتعلم أكثر منك، وتعب أكثر منك، ووصل إلى مكان لم تصل إليه بعد.
وإن لم تستطع أن تصدق أن هناك من هو أفضل منك في الكتابة أو الرسم أو التأليف، فهذه مشكلتك أنت، لا مشكلته هو.
لا تجعلوا الذكاء الاصطناعي شماعة لعجزكم عن تصديق موهبة الآخرين.
فليس كل من كتب جيدا قد استعان بآلة، وليس كل من رسم بإتقان قد أخفى خلفه ذكاء اصطناعيا، وليس كل عمل تجاوز قدرتك دليلا على أنه زائف.
أحيانا، وبكل بساطة، يكون هناك شخص تعب أكثر منك.
وهذا وحده كاف لأن يجعلك تتوقف عن الاتهام، وتبدأ بالسؤال الحقيقي:
كيف وصل إلى هنا؟
للتواصل على صفحتي في الانستغرام
Abdalmohsen.ebrahem
عبدالمحسن الشقاق

