بقلم/ عبدالمحسن ابراهيم الشقاق
لا يموت الكاتب في اليوم الذي يتلقى فيه نقدًا قاسيًا، ولا في اليوم الذي يخسر فيه قارئًا.
يموت في اليوم الذي يفتح فيه مخطوطته الأخيرة… فلا يجد فيها شيئًا يدفعه إلى إعادة قراءة سطر واحد.
قد تبدو تلك اللحظة انتصارًا. أن يقرأ نصه مطمئنًا، فلا يتوقف عند جملة، ولا يعيد صياغة فكرة، ولا يشعر أن هناك صفحة تستحق أن تُكتب من جديد. لكنها في الحقيقة ليست لحظة اكتمال… بل قد تكون بداية النهاية.
◉ حين يصبح الاسم أكبر من النص
في بداية الطريق، يكون الكاتب قاسيًا على نفسه.
يعيد كتابة الصفحة مرات، ويحذف فقرات أحبها، ويشك في كل فكرة قبل أن يسمح لها بالبقاء. لأنه لا يملك إلا نصه، فيحاول أن يجعله يستحق أن يُقرأ.
لكن شيئًا يتغير مع الوقت.
يكبر الاسم، ويكبر معه عدد المصفقين.
ويصبح لكل نص جمهور ينتظره قبل أن يولد، ولكل منشور كلمات إعجاب محفوظة، ولكل كتاب أحكام جاهزة لا تنتظر اكتمال القراءة.
وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي.
فالتصفيق لا يخطئ حين يكون للنص، لكنه يغيّر اتجاهه حين يصبح للاسم.
ومنذ تلك اللحظة… يبدأ النص في حمل صاحبه، بعد أن كان صاحبه هو من يحمله.
◉ أخطر أنواع التصفيق
ليس التصفيق الذي يأتي بعد كتاب عظيم. ولا التصفيق الذي يقدره الكاتب لأنه ثمرة جهد طويل.
أخطر التصفيق… هو الذي لا يفرّق. ذلك الذي يصفق للفصل المتقن كما يصفق للفصل الضعيف.
ويصفق للمسودة كما يصفق للنص الذي استنزف شهورًا من المراجعة.
ومع تكرار هذا المشهد…
تبدأ المسودة الأولى في الاكتفاء بنفسها. وتصبح المراجعة عادةً قابلة للتأجيل.
ثم تصبح قابلة للنسيان.
ولا يحدث ذلك في يوم واحد… بل في تصفيقات صغيرة لا يلتفت إليها
◉ الكاتب الذي لا يراه أحد
هناك كاتب يمزق عشر صفحات لأنه شعر أن جملة واحدة لم تكن صادقة بما يكفي.
وهناك آخر يطبع الكتاب كما خرج من مسودته الأولى، فلا تعود الصفحة إلى الطاولة مرة أخرى.
ومع مرور الوقت…
لا يعود الفرق بينهما في عدد الكتب.
يكمن الفرق في عدد المرات التي عاد فيها كل واحد منهما إلى الصفحة نفسها.
◉ التصفيق الذي لا يسمعه أحد
يظن كثيرون أن التصفيق يأتي من الجمهور فقط.
لكن هناك تصفيقًا أكثر هدوءًا.
يبدأ عندما يمر الكاتب على الصفحة، ثم يغادرها دون أن يتوقف عندها. وعندما تصبح كل صفحة صالحة للبقاء… يتوقف النص عن مقاومة صاحبه.
ويبدأ في تكرار صوته، لا في اكتشاف صوت جديد.
◉ الكاتب الذي يخسر خصمه
لكل كاتب خصم لا يراه أحد.
ليس ناقدًا.
ولا قارئًا.
ولا كاتبًا آخر.
خصمه الحقيقي هو الصفحة التي كتبها بالأمس. فإن أصبحت صفحات الأمس ترضيه كلها… فلمن سيكتب غدًا؟
ولهذا، فإن أخطر أنواع التصفيق ليس الذي يملأ القاعات…
إنه ذلك الذي يجعل الكاتب يغادر مكتبه، وهو يشعر أن مخطوطته لم تعد تطلب منه شيئًا.
◉ ما الذي يحتاجه الكاتب حقًا؟
ليس كل قارئ يصفق يضيف إلى الكاتب. وليس كل قارئ يعترض يُنتقص منه.
فالكاتب لا يبحث عن كثرة الأصوات… يبحث عن ذلك الصوت الذي يعيده إلى مخطوطته.
ذلك الصوت الذي يجعل الصفحة تُقرأ مرة أخرى.
والجملة تُؤجل حتى تنضج.
والفكرة تُهدم لتُبنى بصورة أجمل.
فالنصوص لا تكبر بعدد من صفق لها… تكبر بعدد المرات التي رفضت أن تخرج قبل أوانها.
◉ أخيرًا…
قد ينجو الكاتب من نقد قاسٍ.
وقد ينجو من كتاب لم يحقق ما أراده.
لكن النجاة تصبح أصعب حين يعتاد أن يغلق مخطوطته دون أن تترك فيه رغبة واحدة للعودة إليها.
ففي تلك اللحظة… لا يكون قد فقد قارئًا.
تبدأ خسارته. الحقيقية… حين يفقد الكاتب الذي كانه بالأمس.
للتواصل على صفحتي في الانستغرام:
Abdalmohsen.ebrahem
عبدالمحسن الشقاق

