أقسى أنواع الوحدة

بقلم/ عبدالمحسن إبراهيم الشقاق

أقسى أنواع الوحدة أن تعيش بين أشخاص يعرفونك ولا يرونك.

أن تجلس بين أصدقائك، تضحك معهم، تحفظ حكاياتهم ويحفظون حكاياتك، ثم تكتشف في لحظة عابرة أنهم يعرفون عنك أقل مما كنت تظن.

قد تمتد الصداقة سنوات طويلة، ومع ذلك يظل أحدهم يعرف منك وجها واحدا.

يعرفك مرحا، صاحب النكتة، ذلك الذي يخفف ثقل الجلسة كلما أثقلها الصمت.

ثم تتحدث يوما عن كتاب، أو تناقش فكرة، أو تدخل حوارا يكشف شيئا من ثقافتك، فينظر إليك أحدهم بدهشة ويقول:

“لم أكن أتوقع أنك هكذا.”

جملة عابرة، لكنها تترك وراءها سؤالا ثقيلا:

كيف أمضيت كل هذه السنوات بجانبي ولم ترني؟

فالناس كثيرا ما يتعاملون معنا من خلال الصورة التي اعتادوا عليها. يضعون لنا ملامح محددة، ثم يعيشون معها حتى تصبح الحقيقة نفسها غريبة حين تظهر خارجها.

قد تكون كاتبا وقارئا ومثقفا ومحاورا وتحمل في داخلك عالما كاملا من الأفكار، بينما اختصرك الآخرون في صفة واحدة.

والأقسى أن تعتاد أنت أيضا هذه الصورة.

تضحك حين ينتظرون منك الضحك، وتصمت حين لا يتوقعون منك الكلام، وتترك لهم الجزء السهل منك حتى يصبح أكثر ما يعرفونه عنك هو أقل ما فيك.

وهنا تبدأ وحدة من نوع آخر.

أن تكون محاطا بمن يعرفون اسمك وتفاصيل يومك وعاداتك وربما أسرارك، ثم تشعر أن أحدا منهم لا يعرف المكان الذي تقف فيه روحك.

تلك وحدة لا تصنعها المسافات.

يصنعها غياب الرؤية.

وقد يمر في حياتنا شخصا، يمنحنا ذلك الشعور النادر بأننا لسنا بحاجة إلى شرح أنفسنا.

يرى صمتنا خلف الكلام، وتعبنا خلف الضحك، والأسئلة التي لا نقولها.

وحين يغيب، نفهم متأخرين أن بعض الناس لا يغادرون حياتنا حين يرحلون.

يبقون في كتاب نفتح صفحاته فتقفز إلينا ذكرى.

في مكان مررنا به معا.

في أغنية تغير معناها بعدهم.

في عادة صغيرة لا نعرف لماذا ما زلنا نفعلها لأنها تذكرنا بهم.

وربما يبقون في جزء من شخصياتنا لم يكن موجودا قبل أن نلتقي بهم.

وهذه هي الحقيقة الأكثر إرباكا في الفقد:

أنك قد لا تفتقد الشخص وحده، وإنما تفتقد نفسك حين كنت معه.

تفتقد النسخة التي لم تكن تراقب كلماتها، ولا تفكر كيف تبدو، ولا تخشى أن تبدو مختلفة.

تفتقد الإنسان الذي كنت تستطيع أن تكونه أمام شخص يراك كما أنت.

لهذا قد يعود الحنين بعد سنوات من الغياب، في وقت لا تتوقعه.

تسمع كلمة.

تمر من مكان.

تفتح كتابا.

فتشعر أن شيئا منك التفت إلى الخلف.

وربما لم تكن تريد عودة الشخص.

ربما كنت تريد عودة الشعور الذي كان يصاحب وجوده.

شعور أن هناك من يراك.

حقا يراك.

وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة:

كم شخصا في حياتنا يعرفنا، وكم شخصا منا رآنا فعلا؟

قد نملك صداقات طويلة وعلاقات كثيرة وذكريات لا تنتهي، ومع ذلك يبقى في داخل كل واحد منا جزء لا يصل إليه أحد.

جزء لا يظهر في الصور ولا في الضحكات ولا في طريقة حديثنا اليومية.

جزء ينتظر شخصا يستطيع أن ينظر أبعد من الصورة التي اعتادها.

وحين يغيب ذلك الشخص، لا يصبح الغياب مجرد فقد لإنسان.

يصبح فقدا للمكان الذي كنا نرى أنفسنا فيه بوضوح.

وربما لهذا لا يكون السؤال:

من الذي غادر حياتي؟

السؤال الأعمق:

من كنت حين كان هناك من يراني كما
أنا؟

يعرفك مرحا، صاحب النكتة، ذلك الذي يخفف ثقل الجلسة كلما أثقلها الصمت.

ثم تتحدث يوما عن كتاب، أو تناقش فكرة، أو تدخل حوارا يكشف شيئا من ثقافتك، فينظر إليك أحدهم بدهشة ويقول:

“لم أكن أتوقع أنك هكذا.”

جملة عابرة، لكنها تترك وراءها سؤالا ثقيلا:

كيف أمضيت كل هذه السنوات بجانبي ولم ترني؟

فالناس كثيرا ما يتعاملون معنا من خلال الصورة التي اعتادوا عليها. يضعون لنا ملامح محددة، ثم يعيشون معها حتى تصبح الحقيقة نفسها غريبة حين تظهر خارجها.

قد تكون كاتبا وقارئا ومثقفا ومحاورا وتحمل في داخلك عالما كاملا من الأفكار، بينما اختصرك الآخرون في صفة واحدة.

والأقسى أن تعتاد أنت أيضا هذه الصورة.

تضحك حين ينتظرون منك الضحك، وتصمت حين لا يتوقعون منك الكلام، وتترك لهم الجزء السهل منك حتى يصبح أكثر ما يعرفونه عنك هو أقل ما فيك.

وهنا تبدأ وحدة من نوع آخر.

أن تكون محاطا بمن يعرفون اسمك وتفاصيل يومك وعاداتك وربما أسرارك، ثم تشعر أن أحدا منهم لا يعرف المكان الذي تقف فيه روحك.

تلك وحدة لا تصنعها المسافات.

يصنعها غياب الرؤية.

وقد يمر في حياتنا شخصا، يمنحنا ذلك الشعور النادر بأننا لسنا بحاجة إلى شرح أنفسنا.

يرى صمتنا خلف الكلام، وتعبنا خلف الضحك، والأسئلة التي لا نقولها.

وحين يغيب، نفهم متأخرين أن بعض الناس لا يغادرون حياتنا حين يرحلون.

يبقون في كتاب نفتح صفحاته فتقفز إلينا ذكرى.

في مكان مررنا به معا.

في أغنية تغير معناها بعدهم.

في عادة صغيرة لا نعرف لماذا ما زلنا نفعلها لأنها تذكرنا بهم.

وربما يبقون في جزء من شخصياتنا لم يكن موجودا قبل أن نلتقي بهم.

وهذه هي الحقيقة الأكثر إرباكا في الفقد:

أنك قد لا تفتقد الشخص وحده، وإنما تفتقد نفسك حين كنت معه.

تفتقد النسخة التي لم تكن تراقب كلماتها، ولا تفكر كيف تبدو، ولا تخشى أن تبدو مختلفة.

تفتقد الإنسان الذي كنت تستطيع أن تكونه أمام شخص يراك كما أنت.

لهذا قد يعود الحنين بعد سنوات من الغياب، في وقت لا تتوقعه.

تسمع كلمة.

تمر من مكان.

تفتح كتابا.

فتشعر أن شيئا منك التفت إلى الخلف.

وربما لم تكن تريد عودة الشخص.

ربما كنت تريد عودة الشعور الذي كان يصاحب وجوده.

شعور أن هناك من يراك.

حقا يراك.

وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة:

كم شخصا في حياتنا يعرفنا، وكم شخصا منا رآنا فعلا؟

قد نملك صداقات طويلة وعلاقات كثيرة وذكريات لا تنتهي، ومع ذلك يبقى في داخل كل واحد منا جزء لا يصل إليه أحد.

جزء لا يظهر في الصور ولا في الضحكات ولا في طريقة حديثنا اليومية.

جزء ينتظر شخصا يستطيع أن ينظر أبعد من الصورة التي اعتادها.

وحين يغيب ذلك الشخص، لا يصبح الغياب مجرد فقد لإنسان.

يصبح فقدا للمكان الذي كنا نرى أنفسنا فيه بوضوح.

وربما لهذا لا يكون السؤال:

من الذي غادر حياتي؟

السؤال الأعمق:

من كنت حين كان هناك من يراني كما أنا؟

للتواصل على صفحتي في الانستغرام
Abdalmohsen.ebrahem
عبدالمحسن الشقاق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top