الفجوة بين القيم والممارسة …

خالد العلي العنزي

ليس أخطر ما في التناقض أن يخطئ الإنسان، وإنما أن يصبح ما يقوله عن قيمه الدينية
شيئًا، وما يفعله شيئًا آخر.
وهنا تأتي الفجوة بين التدين والممارسة، وهي وصف لحالة ينفصل فيها ما نعلنه من قيم
دينية عمّا ّينعكس منها على سلوكنا ومواقفنا.

ولا ينبغي أن نضع كل ضعف بشري في هذا الباب، فالإنسان قد يؤمن بالقيمة ثم يضعف
أمام غضب أو رغبة أو مصلحة، فيخطئ، لكنه يدرك خطأه ويحاول إصلاحه.
أما المشكلة فتظهر حين يصبح التناقض متكررًا ومقبولًا، أو يتحول إلى معيار مزدوج .
أو إلى انتقائية في التعامل مع القيم وفق ما يوافق الرغبة.

ويمكن أن تظهر هذه الفجوة في ثلاثة مستويات:

أولًا: الفجوة بين القول والسلوك
أن ندعو إلى قيمة دينية لا نلتزم بها.
نتحدث عن الصدق ثم نضعف أمام موقف يغوينا بالكذب، وعن الرحمة ثم يغلبنا الغضب.
وعن العفو، ثم يصعب علينا أن نعفو، وعن حقوق الناس ثم لا نؤديها كما ينبغي.
فيصبح القول في جهة، والسلوك في جهة أخرى.

ثانيًا: الفجوة بين العبادة والمعاملة
قد يكون الإنسان شديد المحافظة على عباداته، لكنه في معاملاته قد يظلم، أو يؤذي،
أو يهضم الحقوق، وهنا لا يكون السؤال عن كثرة العبادة، وإنما عن أثرها في صاحبها:

ما الذي غيّرته في أخلاقنا حين دخلنا في خصومة؟
وماذا صنعت في عدلنا حين تعارض الحق مع مصلحتنا؟

فالعبادة التي لا تمتد آثارها إلى التعامل مع الناس تترك سؤالًا مفتوحًا عن المسافة
بين ما نؤديه لله، وما نفعله مع خلقه.

ثالثًا: الفجوة بين المبدأ والرغبة
وهذه أخطر الصور، حين تتحول بعض الأحكام إلى مساحة ننتقي منها ما يوافق رغباتنا،
ونتمسك بما يخدم موقفنا، ونبحث عن المخارج حين يخالف الحكم ما نرغب فيه.
فنأخذ من المبدأ ما يناسبنا، ونترك ما يقيّدنا.

وهنا لا يعود الإنسان يكيّف نفسه مع القيمة، بل قد يحاول تكييف القيمة مع نفسه. وقد يبلغ
الأمر أن يكون الحكم شديدًا حين يقع الخطأ من الآخرين، ومرنًا حين يقع الخطأ منا.
عندها يصبح الدين مرآةً نرفعها أمام الناس، بدل أن نقف أمامها نحن.

ولذلك لا يكون السؤال الأهم:
كم نعرف من الدين؟
بل:
ماذا صنع الدين فينا؟

فحقيقة القيم لا تظهر حين تكون سهلة ولا حين تكون في مصلحتنا،
وإنما تظهر عندما تصبح مكلفة:
حين يكون الصدق ضد مصلحتنا، والعدل على حسابنا، والعفو أصعب من الانتقام، وردّ
الحقوق أكثر إيلامًا من الاحتفاظ بها.

هناك، بعيدًا عن أعين الناس، يظهر الفرق بين قيمة نؤمن بها، وقيمة تسكننا. وربما كان
السؤال الذي يستحق أن نواجه به أنفسنا:

هل ما نؤمن به يظهر فعلًا في سلوكنا؟
فحين يكون الدين مرآةً لنا، يبدأ بإصلاحنا، وحين يتحول إلى مرآة نضعها أمام الآخرين،
قد لا يبقى منه إلا صورةٌ جميلة عن أنفسنا، لا حقيقةٌ جميلة فينا.
،
،
خالد العلي العنزي

1 فكرة عن “الفجوة بين القيم والممارسة …”

  1. شويش الشمري

    نعم يظهر في سلوكنا
    شكراً استاذي خالد
    شكراً على هذي الالتفاته لهذا الموضوع
    شكراً لحروفك لعقلك لاناملك
    اجزت واجدت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top