بقلم تهاني الحربي
مع اقتراب العودة إلى المدارس، تبدأ الأسر رحلة الاستعداد التي لا تقتصر على شراء المستلزمات المدرسية وتجهيز الحقائب والزي المدرسي، بل تمتد إلى تهيئة الطفل نفسيًا وجسديًا للانتقال من أجواء الإجازة إلى روتين الدراسة.
فالعودة إلى المدرسة ليست حدثًا يخص الطالب وحده؛ إنها مرحلة تعيد ترتيب إيقاع الأسرة بأكملها، وتحتاج إلى قدر من التنظيم والهدوء حتى تكون بداية العام الدراسي تجربة إيجابية بدلًا من أن تتحول إلى مصدر للتوتر والضغط.
النوم أول خطوات الاستعداد
من أكثر الأمور التي تحتاج إلى إعادة تنظيم بعد الإجازة مواعيد النوم والاستيقاظ. فالانتقال المفاجئ من السهر إلى الاستيقاظ المبكر قد ينعكس على مزاج الطفل وتركيزه وقدرته على التفاعل مع يومه الدراسي.
لذلك، من الأفضل أن تبدأ الأسرة بتعديل مواعيد النوم والاستيقاظ تدريجيًا قبل بدء الدراسة، مع تنظيم استخدام الأجهزة الإلكترونية في المساء، وتهيئة روتين هادئ يساعد الطفل على الاسترخاء والنوم.
والأهم من ذلك ألا يرتبط النوم في ذهن الطفل بالعقاب أو بانتهاء المتعة، بل باعتباره جزءًا من الاستعداد ليوم جديد مليء بالتجارب.
التهيئة النفسية لا تقل أهمية عن التجهيزات
قد تكون الحقيبة جديدة، والأقلام مرتبة، والملابس جاهزة، لكن الطفل قد لا يكون مستعدًا نفسيًا بعد.
بعض الأطفال يشعرون بالحماس، بينما يشعر آخرون بالقلق أو الخوف، خصوصًا من يخوضون تجربة مدرسية جديدة أو ينتقلون إلى مرحلة مختلفة. وهنا يأتي دور الأسرة في الاستماع إلى مخاوف الطفل بدلًا من التقليل منها.
يمكن للأم والأب الحديث مع الطفل عن المدرسة بطريقة إيجابية، وسؤاله عما يتطلع إليه، وما الذي يقلقه، وما الأشياء التي يمكن أن تساعده على الشعور بالراحة.
كما أن إشراكه في بعض تفاصيل الاستعداد، مثل ترتيب حقيبته أو اختيار بعض مستلزماته، يمنحه شعورًا بالمشاركة والاستقلالية، ويجعل العودة إلى المدرسة حدثًا ينتظره بدلًا من أمر يُفرض عليه.
الأم تحتاج إلى التهيئة أيضًا
وفي خضم الحديث عن استعداد الأطفال، قد ننسى الشخص الذي يحمل جزءًا كبيرًا من تفاصيل هذه المرحلة: الأم.
فالأم التي تدخل موسم العودة إلى المدرسة وهي مرهقة ومتوترة وتتعامل مع كل التفاصيل باعتبارها أزمة، قد تنقل هذا التوتر إلى أطفالها دون أن تقصد.
لذلك، فإن اهتمام الأم بنفسيتها وراحتها وتنظيم وقتها ليس رفاهية، بل جزء من تهيئة الأسرة للعام الدراسي.
ليس مطلوبًا أن تكون كل التفاصيل مثالية، ولا أن يبدأ العام الدراسي دون أي فوضى. يكفي أن يكون هناك قدر معقول من التنظيم، ومساحة للتعامل مع المفاجآت، وتذكير دائم بأن الأسرة لا تدخل سباقًا للكمال.
فالطفل لا يحتاج إلى أم خارقة، بقدر ما يحتاج إلى أم هادئة تستطيع أن تمنحه الشعور بالأمان عندما يشعر بالقلق.
الأسبوع الأول مسؤولية مشتركة
ولا تكتمل معادلة العودة إلى المدرسة من دون التوقف عند دور المعلمين والمعلمات، خصوصًا خلال الأسبوع الأول.
فالأسابيع الأولى ليست وقتًا لتقييم الطفل من خلال قدرته الأكاديمية فقط، وإنما فرصة لبناء علاقة بين الطالب والمعلم، والتعرف إلى شخصية الطفل واحتياجاته، ومساعدته على الاندماج في البيئة المدرسية.
قد تبدو الابتسامة، والترحيب، والصبر على الطفل المتردد أو الخجول تفاصيل بسيطة، لكنها قد تترك أثرًا كبيرًا في تجربته المدرسية.
وفي المقابل، من المهم أن تدرك الأسرة أن بعض الأطفال يحتاجون وقتًا أطول للتأقلم. فليس كل طفل سيعود في اليوم الأول سعيدًا ومتحمسًا، وليس كل بكاء مؤشرًا على مشكلة.
الاختلاف في ردود الفعل طبيعي، والمطلوب هو المتابعة والتواصل، لا المقارنة والضغط.
لا نريد طفلًا مثاليًا… نريد طفلًا مطمئنًا
ربما تكون أجمل بداية للعام الدراسي ألا نسأل الطفل فقط: “هل جهزت حقيبتك؟”، بل نسأله أيضًا: “كيف تشعر تجاه المدرسة؟”.
فالاستعداد الحقيقي لا يظهر في ترتيب الدفاتر فقط، وإنما في حالة الطفل النفسية عندما يحمل حقيبته ويدخل من بوابة المدرسة.
العودة إلى المدارس فرصة لإعادة بناء الروتين، وتعزيز استقلالية الطفل، وفتح صفحة جديدة بين الأسرة والمدرسة.
وعندما تتعاون الأسرة والمعلم، ويجد الطفل في البيت بيئة مطمئنة وفي المدرسة بيئة مرحبة، تصبح العودة إلى الدراسة أقل توترًا وأكثر حماسًا.
وفي النهاية، قد ننسى لون الدفاتر التي اشتريناها، ونوع الأقلام التي اخترناها، لكن الطفل غالبًا لن ينسى كيف جعلناه يشعر في أول أيام عامه الدراسي.
وهذا، في رأيي، هو أهم استعداد يمكن أن نقدمه له

