برعاية الشرقية الإعلامي ، الراعي والشريك الإعلامي لملتقى «ثلوثية (وماذا بعد؟)» ، واصل الملتقى لقاءاته بحلقة جديدة حملت عنوان «الالتزام والشغف» ، في أمسية إنسانية وفكرية تناولت الإعاقة من منظور يتجاوز الصورة الظاهرة ، لينتقل الحوار إلى الإنسان وتجربته ، وأسرته ، وقدرته على صناعة حياته والاستمرار فيها بشغف والتزام.
استضافت الحلقة الرحال الأعرج الأستاذ أحمد العسيري ، وزوجته الأستاذة وضحة العنزي ، في تجربة إنسانية لافتة جمعت بين الشراكة والدعم المتبادل ، حيث يعيشان تجربة مشتركة جعلتهما أكثر قربًا من فهم بعضهما، وأكثر قدرة على مساندة الآخر في تفاصيل الحياة وتحدياتها.
لم تكن مشاركتهما مجرد حديث عن الإعاقة ، بل كانت قصة عن الشراكة والاختيار والدعم والأسرة ؛ وعن قدرتين اجتمعتا على أن تكون الحياة مساحة للإنجاز ، لا حدودًا تُرسم بسبب اختلاف جسدي ظاهر ، وكان من أجمل ما حملته التجربة أن أبناءهما ينظرون إليهما بفخر ، في صورة إنسانية تعيد تعريف النجاح بعيدًا عن الصور النمطية ، وتؤكد أن قيمة الإنسان فيما يصنعه ويمنحه ويتركه من أثر.
وإلى جانب التجربة الشخصية ، أضاف الدكتور حويس سالم آل حويس ، الأخصائي النفسي وباحث الدكتوراه في الإرشاد والعلاج النفسي ، بعدًا نفسيًا ومعرفيًا مهمًا للحوار ، وساهم في توسيع زاوية النظر إلى مفهوم الإعاقة وما يرتبط بها من تجارب إنسانية.
فالإعاقة ليست دائمًا ما تراه العين ؛ فهناك تحديات جسدية قد لا تكون ظاهرة ، وتجارب نفسية لا يعرفها المحيطون ، وصعوبات فكرية وإنسانية يعيشها أصحابها بصمت.
ومن هنا اتجه الحوار إلى سؤال أكثر عمقًا: هل الإعاقة هي ما نراه فقط ، أم أن الإنسان قد يحمل داخله ما هو أثقل من أن تراه العين؟
وقد منحت هذه الزاوية الحلقة ثقلها الحقيقي ؛ إذ لم يكن الحديث عن تصنيف الأشخاص أو وضعهم في إطار «معاق» و«غير معاق» ، وإنما عن الإنسان أولًا ، وعن قدرته على التكيف ، والحب ، والعمل ، وتكوين الأسرة ، وممارسة دوره في المجتمع ، مهما كانت التحديات التي يحملها.
وشهدت الحلقة تفاعلًا جميلًا من الحضور والمتابعين ، من خلال المداخلات والأسئلة والحوارات التي أثرت النقاش وفتحت مساحات جديدة للتأمل ، ليصبح الجمهور جزءًا من صناعة الحوار ، لا مجرد متلقٍ له.
وكانت تجربة أحمد ووضحة من أبرز الصور التي اختزلت معنى الحلقة ؛ فهما لم يقدما قصة عن الإعاقة بقدر ما قدما قصة عن شريكين اختارا أن يسندا بعضهما بعضًا ، وأن يصنعا من تجربتهما مساحة للحياة والفخر والأمل.
أما «الشغف» ، فلم يظهر في الحلقة بوصفه شعورًا عابرًا ، بل كقوة تدفع الإنسان إلى الاستمرار، فيما جاء «الالتزام» بوصفه القدرة على مواصلة الطريق حتى عندما لا يكون الطريق سهلًا.
وهكذا حملت «الالتزام والشغف» رسالة تتجاوز عنوانها: أن الاختلاف لا يلغي القدرة ، وأن التحدي لا يعني النهاية ، وأن الإنسان يستطيع أن يصنع من ظروفه قصة تستحق أن تُروى، ومن تجربته أثرًا يستحق أن يُحتفى به.
وتأتي هذه الحلقة امتدادًا لرسالة ملتقى «ثلوثية (وماذا بعد؟)» في صناعة مساحات حوارية تجمع التجربة بالتخصص ، والإنسان بالفكرة، وتمنح القضايا الاجتماعية والإنسانية فرصة للنقاش بعيدًا عن الأحكام الجاهزة والصور النمطية.
وبدعم ورعاية الشرقية الإعلامي ، يواصل الملتقى بناء هذه المساحة التي تؤمن بأن الحوار الحقيقي لا يبحث فقط عن الإجابة ، بل يفتح أسئلة جديدة ، ويمنحنا فرصة لأن نرى الإنسان من زاوية أوسع.
وفي نهاية كل حوار ، يبقى سؤال الثلوثية حاضرًا:
وماذا بعد؟
فربما يكون ما بعد التحدي… شغفًا ،
وما بعد الاختلاف… إنجازًا ،
وما بعد الالتزام… أثرًا يبقى.

