بقلم : عاطف بن علي الأسود
تمثل المدينة العالمية بالدمام تجربة تستحق التوقف عندها ليس باعتبارها مشروعا ترفيهيا وسياحيا فحسب بل باعتبارها نموذجا متقدما في كيفية تحويل الأصول البلدية إلى قيمة اقتصادية واستثمارية وسياحية تخدم التنمية وجودة الحياة
ويأتي اطلاع صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف بن عبدالعزيز أمير المنطقة الشرقية على خطة الموسم الثاني للمدينة العالمية خلال استقباله معالي أمين المنطقة الشرقية المهندس فهد بن محمد الجبير ليؤكد أهمية هذا النوع من المشاريع في تعزيز جاذبية المنطقة واستثمار مقوماتها السياحية والترفيهية واستقطاب المستثمرين من داخل المملكة وخارجها
ما تحقق في الموسم الأول يعطي مؤشرا واضحا على حجم الفرصة فقد استقطبت المدينة العالمية أكثر من ثلاثة ملايين زائر خلال خمسة أشهر وهو نجاح وضع المشروع أمام مرحلة جديدة تستهدف استقبال نحو 5.2 ملايين زائر في الموسم الثاني
لكن أهمية الموسم الثاني لا ترتبط بزيادة عدد الزوار فقط بل بما يحمله من توسع في التجربة والمحتوى والاستثمار حيث تشهد المدينة تطويرا للمرافق والأجنحة الدولية والمناطق الاستثمارية والترفيهية وإضافة دول وثقافات جديدة إلى جانب إعادة تصميم الواجهات الدولية بما يتناسب مع الرؤية الحديثة للمشروع
كما تبرز مجموعة من الوجهات الجديدة مثل القرية الآسيوية وسوق كابايان الليلي ومنطقة المستقبل التي تقدم تجارب في الذكاء الاصطناعي والروبوتات والتقنيات التفاعلية إضافة إلى مناطق ترفيهية وثقافية جديدة
وهنا يظهر التحول الحقيقي في مفهوم الوجهة الحديثة فالترفيه لم يعد نشاطا منفصلا عن الاقتصاد بل أصبح جزءا من منظومة متكاملة تجمع الثقافة والسياحة والتقنية والاستثمار وتخلق فرصا جديدة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال
ومن أبرز المؤشرات الاقتصادية للموسم الثاني توفير ما بين 1000 و1900 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة مع دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة وتمكين الكفاءات الوطنية وهي نتائج تعكس أن قيمة المشروع لا تقاس فقط بعدد الزوار وإنما بما يخلقه من حركة اقتصادية وفرص عمل واستثمارات
والأهم في هذه التجربة هو ما أكده معالي أمين المنطقة الشرقية المهندس فهد بن محمد الجبير من أن المدينة العالمية تمثل نموذجا للشراكة بين أمانة المنطقة الشرقية والقطاع الخاص في استثمار الأصول البلدية
وهذه النقطة تمثل جوهر التجربة من وجهة نظري
فالاستثمار في الأصول البلدية لم يعد يعني الاستفادة التقليدية من الموقع أو الأرض وإنما أصبح يرتبط بالقدرة على تحويل الأصل إلى مشروع قادر على جذب القطاع الخاص وصناعة وجهة واستقطاب الزوار وخلق الوظائف وتحقيق أثر اقتصادي مستدام
وهذا النموذج يمكن أن يقدم تجربة قابلة للدراسة والتطوير في مدن أخرى تمتلك أصولا ومواقع ومقومات سياحية وترفيهية يمكن تحويلها إلى فرص استثمارية بالشراكة مع القطاع الخاص
كما أن المدينة العالمية تنسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في دعم جودة الحياة وتنمية السياحة وتمكين القطاع الخاص وتنويع الاقتصاد وخلق فرص العمل وتعزيز جاذبية المدن والوجهات السعودية
ومن المهم هنا النظر إلى المشروع ضمن المنظومة الاقتصادية للمنطقة الشرقية وليس بمعزل عنها فزيادة أعداد الزوار وتنوع التجارب يمكن أن تنعكس على قطاعات الضيافة والمطاعم والنقل والتجزئة والفعاليات والخدمات وغيرها من الأنشطة المرتبطة بالاقتصاد السياحي
أما إدخال الذكاء الاصطناعي والروبوتات والتجارب التفاعلية في الموسم الثاني فيمنح المشروع بعدا جديدا يربط الترفيه بالابتكار ويتيح المجال أمام شراكات مستقبلية مع المستثمرين والشركات التقنية
لقد أثبت الموسم الأول وجود الطلب ونجاح الفكرة بينما يحمل الموسم الثاني مسؤولية الانتقال من نجاح جماهيري إلى نموذج اقتصادي واستثماري أكثر نضجا
وفي تقديري فإن القيمة الحقيقية للمدينة العالمية بالدمام لن تكون فقط في الوصول إلى 5.2 ملايين زائر وإنما في قدرتها على تحويل هذه الحركة إلى استثمارات وفرص عمل ودعم للمنشآت الصغيرة والمتوسطة وتجارب جديدة تعزز مكانة المنطقة الشرقية كوجهة سياحية واستثمارية
وهنا تكمن أهمية التجربة
أن يتحول الأصل البلدي إلى وجهة والوجهة إلى نشاط اقتصادي والنشاط الاقتصادي إلى فرص واستثمارات وأثر مستدام
وهذا هو المعنى الأوسع للشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص عندما لا تكون الشراكة مجرد وسيلة لتنفيذ مشروع بل أداة لصناعة قيمة جديدة يستفيد منها المكان والمستثمر والمجتمع والزائر في آن واحد
———————-
مستشار في الاقتصاد الصحي وحماية البيئة
sir.atif@hotmail.com
Xalaswadatif

