برعاية الشرقية الإعلامي، واصل ملتقى «ثلوثية (وماذا بعد؟)» لقاءاته الحوارية بحلقة حملت عنوان «شجاعة التغيير»، مستضيفًا كوتش أمل حسين المولد، في أمسية انتقلت بالسؤال من فهم ما يحدث للإنسان إلى ما هو أبعد: ماذا يفعل الإنسان بعد أن يفهم؟ وهل يكفي الوعي وحده لإحداث التغيير، أم أن المعرفة تحتاج إلى شجاعة تحوّلها إلى موقف وقرار وفعل؟
كوتش أمل حسين المولد، المدربة والكوتش المتخصصة في التطوير والإدارة الذاتية، وصاحبة خبرة تمتد لأكثر من 13 عامًا في التدريب والتطوير، قدمت خلالها أكثر من 2250 ساعة تدريبية، إلى جانب تجربتها في الكوتشنج والعمل الإداري والقيادي. وتتركز اهتماماتها في قراءة السلوك الإنساني، وإدارة الذات، والحوار، والوعي بالمسؤولية الشخصية، وتحويل المفاهيم إلى أدوات وأسئلة قابلة للتطبيق في الحياة والعمل.
وجاءت «شجاعة التغيير» امتدادًا فكريًا لما طرحته الثلوثية في حلقتها السابقة «من الاحتراق إلى الوعي»؛ فإذا كان الوعي يجعل الإنسان يرى ما يستنزفه، فإن الشجاعة تضعه أمام السؤال الأصعب: والآن، ماذا ستفعل بما عرفت؟
تميزت الحلقة بتنوع زوايا الحوار، من خلال أربعة محاورين حمل كل منهم خلفيته وتجربته إلى طاولة النقاش؛ الأستاذ محمد العبدالباقي «أبو سعود» المدرب التنفيذي للشرقية الإعلامي، والأستاذ محمد عزوز من المجال الإذاعي، والأستاذة سنابل الحكمي من الكتّاب والمثقفين والفاعلين، وسفيرة الثلوثية والمعاقين الأستاذة تهاني الحربي.
وتنقلت أسئلتهم بين الإعلامي والثقافي والإنساني والاجتماعي والشخصي، وصولًا إلى أسئلة الكوتشنج؛ فكانت الأسئلة عميقة، بينما جاءت إجابات كوتش أمل بسيطة وتوعوية، في محاولة لإعادة المفاهيم الكبيرة إلى تفاصيل يستطيع الإنسان أن يراها في يومه وعلاقاته واختياراته.
فليس الهدف من الوعي أن نضيف مصطلحات جديدة إلى قاموسنا، بل أن نفهم أنفسنا بصورة أفضل، ثم نعرف ماذا نستطيع أن نفعل بهذا الفهم.
كان مثلث كاربمان الدرامي أحد المحاور الرئيسة التي ناقشتها الحلقة، من خلال أدواره الثلاثة المعروفة: الضحية، والمنقذ، والمضطهِد ، وقد يعتقد الإنسان أن هذه الأدوار تصف شخصيات ثابتة، بينما هي في الأصل أدوار قد ينتقل بينها الشخص نفسه داخل العلاقة الواحدة.
قد يبدأ منقذًا يحمل مسؤوليات الجميع حتى يستنزف نفسه، ثم يشعر بأنه ضحية لأن الآخرين لم يقدروا ما قدمه، وقد يتحول تحت الضغط إلى اللوم والغضب والسيطرة.
وهنا يصبح السؤال مختلفًا.
ليس فقط: من أخطأ بحقي؟
وإنما: ما الدور الذي أمارسه أنا في استمرار هذا المشهد؟
ومن هذه الزاوية، لم يُستخدم النموذج لإلقاء اللوم على الإنسان أو تحميله مسؤولية ما لا يملك، وإنما لمساعدته على التمييز بين ما حدث له، وبين ما يستطيع فعله بعد حدوثه.
فالمساندة ليست إنقاذًا، والحدود ليست قسوة، وتحمل المسؤولية لا يعني أن يصبح الإنسان مسؤولًا عن كل شيء.
كما ناقشت الحلقة مقياس مستويات الوعي المنسوب إلى ديفيد هاوكنز، وتوقفت عند مستوى الشجاعة 200 الذي يقدمه هاوكنز بوصفه نقطة انتقال رمزية من حالات يغلب عليها الخوف واللوم ورد الفعل إلى مساحة أكبر من المسؤولية والاستعداد للتعامل مع الحياة.
وطُرح هذا النموذج في الحلقة باعتباره إطارًا فلسفيًا وروحانيًا للتأمل وليس مقياسًا نفسيًا مثبتًا علميًا يمكن من خلاله قياس وعي الأشخاص أو تصنيفهم.
وكانت القيمة في الفكرة نفسها: تلك اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان عن تعليق حياته بالكامل على تغير الآخرين، ويبدأ في البحث عما يقع داخل دائرة قدرته.
فقد لا أستطيع تغيير الآخر، لكنني أستطيع إعادة النظر في حدودي معه.
وقد لا أستطيع مغادرة ظرف ما اليوم، لكنني أستطيع أن أبدأ إعداد نفسي للخروج منه بطريقة أكثر نضجًا.
وقد أحتاج إلى المساندة، لكن المساندة لا تعني أن أسلم مسؤولية حياتي إلى شخص آخر.
وهنا تصبح الشجاعة ليست غياب الخوف، وإنما القدرة على التحرك رغم وجوده.
بين الوعي والتغيير… تقع المسؤولية
ولعل أحد أهم المعاني التي حملتها الحلقة هو التفريق بين إدراك المشكلة والقدرة على إدارتها.
فالإنسان قد يعرف منذ سنوات ما الذي يؤلمه، ومن يستنزفه، وما السلوك الذي يكرره، وربما يستطيع أن يصف مشكلته بتفاصيل دقيقة؛ ومع ذلك يبقى في المكان نفسه.
لأن المعرفة وحدها لا تصنع التغيير.
التغيير يبدأ عندما يتحول السؤال من:
لماذا يفعلون بي ذلك؟
إلى:
ما الذي أستطيع أنا فعله الآن؟
وهذا التحول لا يلغي مسؤولية الآخرين، ولا يبرر الأذى، ولا يجعل الإنسان مسؤولًا عن الظروف الخارجة عن إرادته؛ لكنه يعيد إليه الجزء الذي يملكه من حياته.
شجاعة لا تحتاج إلى ضجيج
ومن خلال الحوار وأسئلة المحاورين، ظهرت الشجاعة بصورة مختلفة عن صورتها التقليدية؛ فهي ليست دائمًا قرارًا ضخمًا أو انقلابًا مفاجئًا في الحياة.
أحيانًا تكون الشجاعة كلمة «لا» قيلت في مكان اعتاد الإنسان أن يصمت فيه.
وأحيانًا تكون طلبًا للمساعدة.
وقد تكون وضع حد، أو تعلم مهارة، أو التوقف عن إنقاذ شخص من نتائج اختياراته، أو الاعتراف بأن طريقة قديمة في التعامل مع الحياة لم تعد صالحة للمرحلة القادمة.
ولهذا جاءت «شجاعة التغيير» أقرب إلى حوار مع الذات منها إلى وصفة جاهزة للتغيير.
فالإنسان لا يملك دائمًا تغيير كل ما حوله، لكنه يملك أن يبحث عن المساحة التي يستطيع التأثير فيها، وأن يبدأ منها.
وتواصل الشرقية الإعلامي رعايتها ودعمها لملتقى «ثلوثية (وماذا بعد؟)»، بوصفه مساحة حوارية تلتقي فيها الخبرة بالإعلام والثقافة والتجربة الإنسانية، وتُطرح من خلالها الفكرة بأوجه متعددة، بعيدًا عن الإجابات الجاهزة، وقريبًا من الأسئلة التي تمس الإنسان في حياته وعلاقاته وقراراته.
وفي «شجاعة التغيير» لم يكن السؤال الحقيقي:
هل يستطيع الإنسان أن يتغير؟
بل كان أكثر مسؤولية:
لقد عرفت ما يستنزفك
ورأيت الدور الذي تكرره
وأدركت المساحة التي تستطيع التأثير فيها
فماذا بعد؟
هل تكتفي بأن تعي… أم تملك شجاعة أن تبدأ؟



