أوجعتني الحياة… لكنّها لم تغيّر أصلي

ما زلتُ على أصلي، في زمنٍ تاهت فيه الأصول، وتبدّلت فيه الوجوه كما تتبدّل الفصول، وأصبح الصدق غريبًا، والوفاء شيئًا نادرًا، وأصبح الإنسان يُقاس بما يملك، لا بما يحمل في قلبه.

قد تجدني تائهًا في حياتي، أمشي أحيانًا بلا وجهة، وأبحث عن نفسي بين طرقٍ كثيرة، لكنني، رغم كل هذا التيه، لم أَتِه عن أصلي.

لا يهمني مظهرك، ولا مالك، ولا جمالك، ولا الأشياء التي تجعل الآخرين ينظرون إليك بإعجاب؛ يهمني قلبك فقط.

يهمني أن يكون قلبك نقيًا وصادقًا حين يتحدث، وفيًّا حين يحب، ورحيمًا حين يستطيع أن يؤذي، وأن يعرف قيمة الخاطر فلا يكسره، وقيمة الإنسان فلا يتخلى عنه حين تتغير الظروف.

ورغم قسوة الحياة، ورغم كل ما مرّ بي، ما زال قلبي ليّنًا؛ لم تُحوّله الخيبات إلى حجر، ولم تجعلني كثرة الطعنات أتعلم كيف أطعن الآخرين.

ذقتُ من مرارة الحياة ما يكفيني، وعشتُ من الأيام أسوأها، ومررتُ بأوقاتٍ كان فيها كل شيء ناقصًا إلا الصبر.

ومع ذلك، لم أسمح للفقر أن يُفقر أخلاقي، ولا للخذلان أن يسرق وفائي، ولا للقسوة أن تُفسد قلبي.

تعلمتُ أن الإنسان قد يعيش أيامًا لا يملك فيها شيئًا، وقد يقف وحيدًا أمام الحياة، بلا سندٍ ولا يدٍ تمتد إليه، لكنه يستطيع، رغم ذلك، أن يظل غنيًا بشيءٍ لا يُشترى، ولا يُورث، ولا يُقاس بالمال؛ وإنما بالأصل والشرف.

فأنا قد أخسر مالًا، وأخسر مكانًا، وأخسر أشخاصًا، وقد تضيق بي الدنيا حتى أشعر أنني لا أملك منها شيئًا، لكنني لا أقبل أن أخسر أصلي من أجلها، ولا أن أبيع شرفي لأشتري راحةً مؤقتة.

فالمال قد يكون رأس مال الإنسان في أعين الناس، والجمال قد يخطف الأبصار، والمظهر قد يفتح بعض الأبواب، أما أنا، فرأس مالي أصلي، وشرفي، وما بقي من نقاء قلبي.

وما أصعب أن يخرج الإنسان من قسوة الحياة وهو لا يزال قادرًا على الرحمة!

أن يُخذل ولا يصبح خائنًا، أن يُكسر ولا يتعلم كسر الآخرين، أن يُظلم ولا يجعل الظلم مبدأً لحياته.

لقد كان بإمكاني أن أصبح قاسيًا مثلما قست عليّ الحياة، وأن أتعلم البرود ممن أوجعوني، وأن أردّ الجرح بالجرح، لكنني اخترت أن أبقى أنا.

ليس لأنني لم أتألم، بل لأنني أعرف جيدًا كم يؤلم أن تجد في قلبك جرحًا سببه إنسان كان بإمكانه أن يكون رحيمًا.

لذلك، إن رأيتني تائهًا، فلا تظن أنني ضللت الطريق؛ ربما كنت فقط أبحث عن طريقٍ لا أضطر فيه إلى خسارة نفسي.

فأنا شظايا كثيرة من أشياء انكسرت، لكنني ما زلت أعرف من أين جئت، وما الذي كنت عليه، وما الذي أريد أن أبقى عليه.

فليتعب قلبي، وليثقل صدري، ولتأخذ الحياة مني ما تشاء؛ سأظل متمسكًا بأصلي، لأنني أدركت أن أجمل انتصار للإنسان ليس أن ينتصر على الآخرين، بل أن يخرج من كل ما مرّ به دون أن يصبح نسخةً من الذين آذوه.

أنا تائهٌ في حياتي، نعم، لكنني لن أتوه عن أصلي.

وقد لا أملك الكثير لأتباهى به أمام الناس، لكنني أملك شيئًا أخشى أن أفقده أكثر من كل شيء: قلبي الذي ما زال ليّنًا، وأصلي الذي لم يتغيّر، وشرفي الذي لم أساوم عليه.

فهذا كل ما أملك…

وربما عند الله، والقلوب النقية، هذا أكثر مما يكفي.

يحكيه قلم الفاضل، في يده، للذين يجهلون قيمة أنفسهم.

فكرتين عن“أوجعتني الحياة… لكنّها لم تغيّر أصلي”

  1. ماشاء الله .كلام معبر من قلب مجروح .كلمات تحكي واقع انسانه تحملت كلشي من اجل شي واحد. وهي الكرامه والعزه. اسأل الله ان يحميكي ويحفظك ..دمتي بألف خير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top