المتقاعدون.. خبرات لا ينبغي أن تتقاعد

بقلم: تهاني الحربي

ماذا يحدث عندما يتقاعد الإنسان؟

في كثير من الأحيان، ينتهي عقده الوظيفي، يتوقف راتبه عن الوظيفة، ويُقال له: «مبروك التقاعد»… وكأننا نعلن انتهاء مرحلة العمل، وانتهاء الحاجة إلى كل ما جمعه هذا الإنسان طوال عقود من المعرفة والتجارب والعلاقات والمهارات.

لكن الحقيقة مختلفة تمامًا.

الوظيفة قد تنتهي، أما الخبرة فلا تتقاعد.

في المجتمع السعودي، لدينا آلاف المتقاعدين الذين أمضوا سنوات طويلة في الإدارة، والهندسة، والتعليم، والصحة، والمال، والتجارة، والقطاع الحكومي، والقطاع الخاص، وغيرها من المجالات. أشخاص يعرفون كيف تُدار الأزمات، وكيف تُحل المشكلات، وكيف تُبنى الإجراءات، وكيف تتعامل المؤسسات مع الناس، وكيف يمكن لفكرة صغيرة أن تتحول إلى مشروع ناجح.

ومع ذلك، قد تتحول هذه الخبرات بعد التقاعد إلى معرفة مخزنة في الذاكرة… لا أحد يسأل عنها.

وهنا السؤال:

هل نحن أمام متقاعدين؟ أم أمام مكتبة ضخمة من الخبرات أغلقنا أبوابها مبكرًا؟

من «التقاعد» إلى «مرحلة جديدة»

ربما نحتاج إلى إعادة تعريف التقاعد في المجتمع.

التقاعد لا يعني أن يصبح الإنسان غير منتج، ولا يعني أن عليه أن يقضي سنواته المتبقية في انتظار المناسبات الاجتماعية أو متابعة الأخبار من المنزل.

بل يمكن أن يكون التقاعد انتقالًا من العمل بدوام كامل إلى العمل بالخبرة.

ليس المطلوب أن يعود المتقاعد إلى الوظيفة نفسها أو إلى ساعات العمل الطويلة، وإنما أن نصمم له تجربة مختلفة تناسب مرحلته العمرية وقدراته واهتماماته.

ومن هنا يمكن أن تظهر فكرة:

«مجتمع الخبرات السعودية»

جمعية أو منصة وطنية تجمع المتقاعدين من مختلف التخصصات، وتبني قاعدة بيانات حقيقية لمهاراتهم وخبراتهم.

لا نسأل فقط:

أين كنت تعمل؟

بل نسأل:

  • ما المشكلات التي كنت تحلها؟
  • ما المشاريع التي شاركت في تأسيسها؟
  • ما المهارات التي أتقنتها؟
  • ما أكثر الأخطاء التي تعلمت منها؟
  • ما المجال الذي تستطيع تقديم الاستشارة فيه؟
  • ما المعرفة التي تتمنى أن تنتقل إلى الجيل الجديد؟
  • وهل ترغب في التدريب، الاستشارة، الإرشاد، أو المشاركة في حل المشكلات؟

وبذلك لا يصبح لدينا مجرد «قائمة متقاعدين»، بل خريطة وطنية للخبرات المتراكمة.

ماذا لو أصبحت الخبرة منتجًا؟

هنا يمكن للقطاع الخاص والتجار أن يدخلوا على الخط.

المسؤولية الاجتماعية للشركات لا ينبغي أن تتوقف عند التبرعات والرعايات والمبادرات الموسمية.

يمكن أن يكون من مسؤولية الشركات أيضًا الاستثمار في رأس المال البشري المتقاعد.

تخيلوا شركة تواجه مشكلة في خدمة العملاء.

بدل أن تبدأ مباشرة في التعاقد مع مستشار خارجي بتكلفة مرتفعة، يمكنها أن تطرح المشكلة على «مجتمع الخبرات السعودية».

يتم اختيار عدد من المتقاعدين الذين لديهم خبرة مباشرة في المجال، ويُطلب منهم تحليل المشكلة واقتراح حلول عملية.

ثم يحدث الأمر بصورة مهنية واضحة:

الشركة تطرح المشكلة → الخبراء المتقاعدون يقدمون الحلول → الشركة تختار الحل المناسب → يحصل صاحب الحل على مقابل مالي عادل.

هنا نحن لا نتحدث عن «عمل تطوعي للمتقاعدين».

بل عن سوق للخبرة.

لماذا لا ندفع ثمن الفكرة؟

لدينا ثقافة جميلة في تقدير أصحاب الخبرة، لكننا أحيانًا نقع في خطأ التعامل مع خبراتهم باعتبارها شيئًا يجب أن يقدم مجانًا.

لماذا؟

إذا كانت الشركة ستستفيد ماليًا من حل قدمه أحد الخبراء، فمن الطبيعي أن يحصل صاحب الحل على مقابل.

يمكن إنشاء نموذج يسمى مثلًا:

«ادفع مقابل الحل»

تطرح الشركة تحديًا حقيقيًا:

لدينا مشكلة في إجراءات التشغيل.

أو:

نريد تقليل وقت إنجاز الخدمة.

أو:

نحتاج إلى إعادة تصميم تجربة العميل.

أو:

نريد تطوير آلية تدريب الموظفين.

ثم تصل المشكلة إلى مجموعة من الخبراء المتقاعدين.

كل خبير يقدم رؤيته، ويتم تقييم الحلول وفق معايير واضحة، وإذا تبنت الشركة أحد الحلول، يحصل صاحبه على أجر استشاري أو مكافأة مقابل استخدام الفكرة، وفق عقد يحفظ حقوق الطرفين.

وبذلك يتحول المتقاعد من مستفيد من خدمة اجتماعية إلى شريك معرفي في الاقتصاد.

والتاجر؟ شريك في صناعة الأثر

يمكن للتجار ورجال وسيدات الأعمال أن يلعبوا دورًا أكبر في هذه التجربة.

يمكن مثلًا إنشاء «صندوق استثمار الخبرات» بتمويل من القطاع الخاص، يخصص لتشغيل برامج المتقاعدين، وتنظيم اللقاءات، وتدريبهم على الاستشارات الحديثة، وربطهم بالشركات الناشئة والمؤسسات.

بل يمكن للشركات أن تتبنى مجموعة من المتقاعدين ضمن برامج المسؤولية الاجتماعية الخاصة بها.

شركة تستضيف 20 خبيرًا متقاعدًا سنويًا.

شركة أخرى تمول برنامجًا لتوثيق خبرات كبار المهنيين.

شركة ثالثة تفتح تحدياتها التشغيلية أمام مجتمع الخبراء.

وهكذا تصبح المسؤولية الاجتماعية استثمارًا في الإنسان، لا مجرد شيك يُدفع وينتهي أثره.

نحتاج أيضًا إلى مجتمع… وليس منصة فقط

هناك جانب آخر لا يقل أهمية.

قد يكون التقاعد صعبًا لأن الإنسان لا يفقد الوظيفة فقط، بل يفقد أيضًا المجتمع الذي كان جزءًا منه يوميًا.

لذلك يمكن أن تضم الجمعية أو المنصة مساحات اجتماعية حقيقية للمتقاعدين:

  • لقاءات أسبوعية.
  • أندية للقراءة والمعرفة.
  • ورش تدريب.
  • رحلات وأنشطة ثقافية.
  • جلسات تبادل الخبرات.
  • برامج ريادة الأعمال.
  • تعليم التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي.
  • لقاءات بين المتقاعدين والشباب.
  • برامج «علّم خبرتك».
  • استضافة خبراء من الأجيال الجديدة.
  • مسابقات لحل مشكلات حقيقية في المجتمع.

بل يمكن أن يكون لدينا برنامج جميل بعنوان:

«من خبرتي»

يجلس المتقاعد أمام مجموعة من الشباب لمدة ساعة، ويحكي لهم عن تجربة مهنية حقيقية: مشروع نجح، مشروع فشل، أزمة تعامل معها، قرار كان صعبًا، أو مهارة تعلمها بعد سنوات من التجربة.

قد تكون ساعة واحدة من هذه الجلسات أكثر قيمة من عشرات الصفحات النظرية.

ماذا لو ربطنا المتقاعد برائد الأعمال؟

الشركات الناشئة تحديدًا يمكن أن تستفيد كثيرًا من هذه الفكرة.

رائد أعمال في بداية طريقه قد يمتلك التكنولوجيا والحماس، لكنه يفتقد الخبرة في الإدارة أو الموارد البشرية أو المشتريات أو العقود أو خدمة العملاء.

في المقابل، قد يجلس على بعد بضعة كيلومترات منه متقاعد أمضى 30 عامًا في إدارة هذه الملفات.

شاب يملك السرعة، ومتقاعد يملك الخبرة.

لماذا لا نجمع الاثنين؟

يمكن إنشاء برنامج «خبير بجانبك» يربط أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة بخبراء متقاعدين لفترات محددة، مقابل أتعاب استشارية أو ضمن برامج مدعومة من القطاع الخاص.

والأهم: توثيق المعرفة قبل أن تضيع

هناك معرفة لا توجد في الكتب.

معرفة اكتسبها الإنسان من التجربة، ومن الأخطاء، ومن عشرات المواقف التي لا تُكتب في دليل إجراءات.

ولهذا يجب أن يكون توثيق خبرات المتقاعدين جزءًا من المشروع.

نسألهم:

ما الشيء الذي تعلمته في ثلاثين عامًا وتتمنى لو عرفته منذ اليوم الأول؟

ثم نوثق الإجابات ونحولها إلى محتوى معرفي، ودورات، وأدلة، ومقابلات، وقصص نجاح.

فالمتقاعد لا يحمل فقط سيرة ذاتية.

أحيانًا يحمل تاريخ مؤسسة كاملًا داخل ذاكرته.

السعودية التي تبني المستقبل… تحتاج أيضًا إلى حفظ خبرة الماضي

نحن نعيش مرحلة اقتصادية واجتماعية متسارعة، ونبني قطاعات جديدة ونخلق وظائف ومشاريع ونستثمر في الإنسان.

وفي خضم هذا التسارع، يجب ألا نقع في وهم أن كل ما هو قديم أصبح بلا قيمة.

التجربة ليست ضد التطور.

والخبرة ليست عدوًا للابتكار.

بل إن أفضل النتائج قد تأتي عندما نجمع خبرة الأمس بأدوات اليوم.

لدينا متقاعدون يعرفون كيف كانت المؤسسات تعمل قبل التحول الرقمي، وشباب يعرفون كيف يمكن للتقنية والذكاء الاصطناعي أن يعيدا تشكيلها.

هذه ليست فجوة بين جيلين.

هذه فرصة للتكامل بين جيلين.

لنصنع «اقتصاد الخبرة»

ربما حان الوقت لأن ننظر إلى التقاعد من زاوية مختلفة.

بدل أن نسأل:

ماذا سنقدم للمتقاعد؟

نسأل أيضًا:

ماذا يمكن أن يقدم المتقاعد للمجتمع إذا صممنا له البيئة المناسبة؟

نحن لا نحتاج إلى إبقاء المتقاعد في سوق العمل بالطريقة التقليدية، ولا نحتاج إلى تحميله مسؤوليات لا تناسب مرحلته.

نحتاج إلى أن نمنحه خيارًا جديدًا:

أن يعمل عندما يريد، وبالطريقة التي تناسبه، وأن يحصل على قيمة عادلة مقابل معرفته.

قد يكون المتقاعد مستشارًا ليوم واحد.

أو مدربًا لساعتين.

أو خبيرًا يحل مشكلة محددة.

أو مرشدًا لرائد أعمال.

أو صاحب فكرة تستفيد منها شركة.

أو ببساطة شخصًا يشارك تجربته مع جيل جديد.

وفي كل الحالات، تبقى الفكرة واحدة:

لا تجعلوا نهاية الوظيفة تعني نهاية القيمة.

ففي مجتمع يطمح إلى اقتصاد قائم على المعرفة، سيكون من المؤسف أن نملك كل هذه الخبرات، ثم نتركها تتقاعد معنا.

المتقاعدون لم يتقاعدوا من الحياة.
هم فقط تقاعدوا من وظيفة.

وربما تكون مهمتنا القادمة ألا نبحث عن خبرات جديدة فقط…

بل أن نعرف أولًا كيف نكتشف الخبرات التي لدينا، ونمنحها مساحة لتتكلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top