مجدٌ راسخ ،، ومستقبلٌ واعد

بقلم : أ.د.فهد بن أحمد الحربي

الحمد لله الذي أسبغ على هذه البلاد أمنًا يورق في النفوس طمأنينة، ووحدةً يشتد بها البنيان، وقيادةً جعلت من علوّ الهمّة سجيّة، ومن بلوغ الغايات عهدًا، ومن العلم طريقًا تعبر به الأوطان إلى مراتب الريادة.
في الثالث والعشرين من سبتمبر، لا يمرُّ التاريخ على المملكة العربية السعودية مرورَ الأيام؛ بل يقف إجلالًا أمام وطنٍ عرف كيف يجعل من الوحدة بدايةً لا نهاية، ومن التاريخ جذرًا لا فرعًا، ومن المجد مسؤوليةً لا ذكرى.
إنه يومٌ نستعيد فيه الحكاية الأولى، لا لأنها مضت، بل لأنها لم تزل تمضي فينا؛ نستعيدها في رايةٍ لا تنحني، وفي أرضٍ اتسعت للآمال كما اتسعت للخطى، وفي شعبٍ توارث من وطنه شموخه، ومن قيادته عزمه، ومن تاريخه يقينًا راسخًا بأن المجد لا يُورَث إلا لمن يُحسن أن يزيد فيه.

و تأتي هوية اليوم الوطني السعودي “عزّنا بطبعنا” لتوجز سيرة وطنٍ لم يكن عزُّه طارئًا عليه، وإنما عزٌّ من طباع أهله وسجاياهم: شجاعةٌ تثبت حين تُمتحن المواقف، ورؤيةٌ ترى أبعد من اللحظة، وأصالةٌ تحفظ للخطى جذورها، وهمّةٌ لا تستصعب الغايات، وجودٌ يفيض عطاءً، وكرمٌ شاهدٌ على معدن هذه الأرض وأهلها.
وإذا كانت هذه الطباع اليوم عنوانًا لهويتنا الوطنية، فإن صفحات التوحيد كانت من أصدق تجلياتها. فقبل ما يقارب القرن، مضى الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – طيب الله ثراه – بعزيمةٍ تستشرف الغد، فجمع الله به القلوب بعد فرقة، ووحّد أرجاء البلاد بعد شتات، حتى أُعلن توحيد البلاد؛ فدخلت المملكة عهدًا جديدًا، ومضت رايتها الواحدة تحمل إلى الزمن قصة همّةٍ صنعت وطنًا، وإرادةٍ غيّرت مجرى التاريخ، ولم تكن تلك الوحدة ثمرة يومٍ عابر، بل ملحمةً من الصبر والحزم؛ انطلقت من قلب الجزيرة، ومضت في سائر أرجائها، وفي تلك الملحمة كان للمنطقة الشرقية فصلٌ حاضرٌ في ذاكرة الوطن والمكان؛ حين بايع أهلها الملك عبدالعزيز على السمع والطاعة؛ فغدت شاهدًا على عهدٍ جمع بين ثبات المبدأ، ووحدة الصف، وهيبة الدولة.

وفي قلب هذا الحراك الوطني تأخذ جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل مكانها، مستشعرةً مسؤوليتها بوصفها عهدًا وطنيًا قبل أن تكون رسالةً مؤسسية. فمن المنطقة الشرقية، حيث تجاور أصالة المكان حيوية التحول، تمضي جامعتنا في رسالتها العلمية والبحثية وشراكتها الفاعلة مع المجتمع، مستهديةً برؤيةٍ تتطلع إلى صناعة المستقبل، وهويةٍ مؤسسية تجعل جودة الحياة أفقًا تتكامل فيه المعرفة والبحث والابتكار وخدمة المجتمع، ولجامعتنا في هذا السياق خصوصيةٌ تستحق الاعتزاز؛ فهي تنتمي إلى منطقةٍ كانت حاضرةً في صفحات مهمة من مسيرة توحيد الوطن، وتقف اليوم في المنطقة ذاتها شريكًا في صناعة منجزه التنموي؛ فبين شرقٍ دخل صفحات الوحدة بعزيمة الرجال، وشرقٍ يتصدر اليوم ميادين الطاقة والصناعة والمعرفة والابتكار، يمتد تاريخٌ واحد اختلفت أدواته ولم تختلف غايته: رفعة المملكة.
عام بعد عام والوطن يزداد بعزّه شموخًا، وبأصالته رسوخًا، وبرؤيته اتساعًا، وبهمّة أبنائه وبناته اقتدارًا، وفي هذه المناسبة الوطنية الغالية، أرفع باسمي ونيابةً عن منسوبي جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل أسمى آيات التهاني والتبريكات إلى مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وإلى ولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود – حفظهما الله –، وإلى صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف بن عبدالعزيز آل سعود، أمير المنطقة الشرقية، ونائبه صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن بندر بن عبدالعزيز آل سعود – حفظهما الله – وإلى الشعب السعودي الوفي الأبيّ.
والله نسأل أن يحفظ وطننا، وأن يديم عليه أمنه وعزّه ورخاءه، وأن يحفظ قيادته، ويبارك في مسيرته، وأن تبقى رايته خفاقةً بالعز، وأيامه عامرةً بالزهو، وخطاه ماضيةً إلى آفاقٍ تليق بمكانته وطموحه.
مجدٌ راسخٌ نستمد منه عزّنا، ومستقبلٌ واعدٌ نصنع له أسباب الريادة؛ وبينهما وطنٌ كلما بلغ أفقًا من المجد، أبصر بعزيمته أفقًا أبعد.

أ.د.فهد بن أحمد الحربي
رئيس جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top