برعاية الشرقية الإعلامي، واصل ملتقى «ثلوثية (وماذا بعد؟)» رحلته الحوارية بحلقة حملت عنوان «لذّة الحياة»، مستضيفًا الفنانة التشكيلية ومعلمة الفنون الأستاذة سمر القحطاني، في لقاء لم يكن عن الفن بمعناه البصري فحسب، بل عن الإنسان حين يتصالح مع جذوره، ويكتشف صوته الخاص، ويمنح اختلافه مساحة ليصبح هويةً وبصمةً وأثرًا.
من سؤالٍ عن موقع الإنسان في حياته وعلاقاته، إلى حوارٍ عبر الحدود؛ افتتحت ثلوثية «وماذا بعد؟» ربعها الثاني بحلقتها الثالثة عشرة، برعاية الشرقية الإعلامي، وبعنوانٍ يضع كل واحدٍ منا أمام سؤالٍ لا يجيب عنه سواه: حين تعرف أين تقف، ما خطوتك التالية؟
استضافت الثلوثية الدكتورة وفية بنت ناصر الهايف، الأخصائية الاجتماعية الأولى والمستشارة الأسرية، وصاحبة خبرةٍ تمتد لأكثر من عقدين في مجالات الخدمة الاجتماعية والإرشاد الأسري والصحة النفسية. وتتركز خبرتها في التعامل مع قضايا الأطفال والمراهقين، وفهم التحديات الأسرية والحالات المعقدة، وبناء مسارات المساندة والتدخل. وقد أضفت خلفيتها المهنية على اللقاء عمقًا يتصل بتجارب الناس وأسئلتهم اليومية، لا بالمفاهيم وحدها.
بدأت الحكاية من الداخل؛ من اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان عن استعجال الحكم، وينصت لما يحدث فعلًا. وفي حوارها، قادت الدكتورة وفية الحديث إلى ما وراء المواقف: إلى احتياج الإنسان، ومساحة الأسرة، ومعنى أن نساند من نحب من دون أن نصادر تجربته أو نتركه وحيدًا فيها.
ومع كل انتقالٍ في الحوار، تغيّرت زاوية النظر. تنقّل المحاورون بين أسئلةٍ تقترب من الأسرة والمرأة والأبناء، وأخرى تذهب إلى عمق التجربة وما لا يُقال عادةً بصوتٍ عالٍ. وكان لكل سؤالٍ بابه؛ يفتحه المحاور، فتمنح الضيفة الفكرة مداها، ثم يأتي التعقيب ليصل ما قيل بما قد يعيشه الحاضرون في واقعهم. هكذا لم يكن الحوار خطًّا واحدًا، بل مساراتٍ تتقاطع لتكشف جوانب مختلفة من السؤال نفسه.
وبعد محوري الحوار، لم تبقَ الكلمة على المنصة. انتقلت المساحة إلى الحضور، وجاءت المداخلات من مناطق متعددة داخل المملكة، ومن دول الخليج وعددٍ من الدول العربية. وكان لأصدقاء اللقاء من قطر حضورٌ لافت، من كتّابٍ ومعلمين وقادة، أضافوا إلى المجلس خبراتٍ وأسئلةً حملت معها أصداء أماكن وتجارب مختلفة. ومع كل مداخلة، كانت الحكاية تتسع، ويصبح السؤال أقرب إلى حياة من يسمعه.
لم تكن المسافات عائقًا أمام هذا اللقاء؛ فحين تجتمع الرغبة في الفهم، تصبح الشاشات نوافذ، وتتحول المداخلات إلى جسور. وكل صوتٍ أضاف مرآةً جديدة، لا ليرى الحاضرون الإجابة ذاتها، بل ليروا السؤال من زاويةٍ لم تخطر لهم من قبل.
وبين أسئلة المحاورين، وإجابات الضيفة، ومداخلات الحضور، أخذت فكرة الحلقة شكلها الأوضح: أن المساندة الواعية تبدأ بالإنصات، وأن معرفة موقعنا لا تعني التوقف عن التقدم؛ بل تمنحنا نقطة بدايةٍ أصدق، وخطوةً تناسب واقعنا وقدرتنا.
وفي الختام، بقيت البوصلة معلّقةً في فضاء اللقاء، لا تشير إلى طريقٍ واحد، بل تترك لكل إنسانٍ مساحةً ليحدد وجهته. فبعد أن عرفت أين تقف… ما الشيء الذي ستنظر إليه من جديد؟
هكذا افتتحت ثلوثية «وماذا بعد؟» ربعها الثاني: حوارًا يتجاوز المكان، ويجمع الضيفة والمحاورين والمداخلين في مساحةٍ واحدة، حيث تتعدد الأصوات، وتقترب المعاني، ويصبح السؤال بدايةً لحكايةٍ جديدة.
شكرًا للشرقية الإعلامي على رعايته، وللدكتورة وفية بنت ناصر الهايف على حضورها وإثرائها، وللمحاورين والحضور والمداخلين من المملكة ودول الخليج والدول العربية، ولا سيما أصدقاءنا من قطر؛ كتّابًا ومعلمين وقادة، الذين منحوا هذا اللقاء امتدادًا أبعد من حدوده الجغرافية.

