“الكاتب في هامش المراجعة”

بقلم/ عبدالمحسن بن إبراهيم الشقاق

يشدني كثيرا ما يكتبه القراء عن الكتب التي يقرؤونها، ويسعدني أن أرى رواية تترك أثرا في قارئها، وأن أرى من يمنح وقته للكتابة عنها ومشاركة تجربته مع الآخرين. وفي هذا المشهد الجميل، ثمة فكرة تستحق أن نتأملها قليلا.

تتنوع مراجعات الكتب؛ بعضها يقدم نبذة عن العمل، وبعضها يمضي في أحداثه وشخصياته، وبعضها يغوص في أعماقه ويستخرج ما بين سطوره من دلالات ومعان، ثم تنتهي الرحلة بتقييم رقمي أو نجوم تمنح الكتاب نصيبه من الإعجاب.

ويبقى في هذه الرحلة وجه آخر يستحق أن نلتفت إليه.

وجه الكاتب.

ذلك الذي أمضى ساعات أمام جملة واحدة، يقلب مفرداتها في ذهنه، ويختبر وقعها، ويبحث عن كلمة تحمل الشعور كاملا. ذلك الذي رأى صورة في خياله، ثم ظل يطارد اللغة حتى استطاع أن يمنحها شكلا يراه القارئ بعيني روحه. ذلك الذي ابتكر تشبيها، وصاغ استعارة، وبنى مشهدا بكلمات قليلة، ففتح في داخلنا أبوابا واسعة من الدهشة.

قد نعرف من المراجعة ماذا حدث في الرواية، وقد نفهم فكرتها ونلمس رسالتها، ويبقى السؤال الأجمل معلقا في المسافة بين الكاتب والقارئ:

كيف استطاع الكاتب أن يجعلنا نرى هذا المشهد؟ كيف جعلنا نرتجف أمام جملة، ونبتسم عند كلمة، ونحمل صورة من كتاب إلى حياتنا، ثم نجدها تسكن ذاكرتنا بعد أن نغلق صفحاته؟

إن مراجعة الكتاب مساحة واسعة، تتسع للحكاية والفكرة والشخصيات، وتتسع كذلك للغة الكاتب، وبنائه للمشاهد، وصوره البلاغية والشعرية، وفرادته في التعبير، والطريقة التي صاغ بها كلماته حتى وصلت إلينا بهذا الأثر.

فالكاتب يترك في كل عمل شيئا من صناعته الخفية، وأحيانا تكون أعظم لحظات الكتاب جمالا هي تلك التي يصعب تلخيصها في نبذة، أو اختزالها في عدد من النجوم.

ولعل أجمل مراجعة هي التي تجعلنا نخرج منها ونحن نعرف الكتاب أكثر، ونرى الكاتب بوضوح أكبر، ونفهم شيئا من ذلك الجهد الذي عبر من روحه إلى الورق، حتى وصل إلى أرواحنا.
فوراء كل حكاية نقرأها عمرٌ من الخيال، ووراء بعض الكلمات حياةٌ كاملة عاشها الكاتب في داخله، ثم تركها على الورق تمضي إلى الغرباء، حاملةً شيئا منه إلى أماكن لن تطأها قدماه.

للتواصل على صفحتي في الانستغرام/
Abdalmohsen.ebrahem
عبدالمحسن الشقاق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top