في حلقة جديدة من ثلوثية «وماذا بعد؟»، برعاية الشرقية الإعلامي، نقترب من تلك اللحظة التي يقف فيها الإنسان أمام طرق متعددة، محاولًا التمييز بين رغبة عابرة، وحاجة حقيقية، وأولوية تستحق أن يمنحها وقته وجهده.
في الحياة، لا نعاني دائمًا من غياب الفرص، بل قد نعاني من كثرتها، فتتزاحم أمامنا الأهداف، وتتعدد المهارات التي نرغب في تعلّمها، وتعلو أصوات الواجبات والتوقعات، حتى يصبح السؤال أكثر تعقيدًا من مجرد: كيف أبدأ؟
ويحلّ الأستاذ أحمد سحيم السحيم ضيفًا على اللقاء، حاملًا خبرة مهنية وتدريبية تتجاوز سبعةً وعشرين عامًا، جمع خلالها بين الإحصاء والديموغرافيا والقيادة والجودة وتصميم البرامج التدريبية وقياس أثرها، وهو مستشار وخبير تدريب، ومدرب دولي معتمد في القيادة الاحترافية، يعمل في مجال التدريب والاستشارات بالهيئة العامة للإحصاء منذ عام 2004، وأسهم في إعداد الخطط والحقائب التدريبية ورفع كفاءة الفرق وتحسين جودة التدريب والبيانات.
لا تتوقف الحلقة عند سؤال البداية بوصفها لحظة حماس، بل تتقدم إلى ما وراءها: كيف يقرأ الإنسان نفسه قبل أن يختار؟ وكيف يعرف أن ما يناديه يستحق أن يبدأ به فعلًا؟ وهل نختار بعض البدايات لأننا نريدها، أم لأننا نخشى التأخر ومقارنة أنفسنا بالآخرين؟
ينطلق الحوار من السؤال الاستفتاحي: كيف تقرأ الإنسان؟
فالإنسان قد يتحدث عن رغباته، بينما تكشف أفعاله وطاقته وظروفه عن احتياج مختلف. ومن هنا يصبح فهم الإنسان سابقًا على اختيار الطريق، لأن البداية المناسبة لا تُبنى على قائمة أهداف جاهزة، بل على قراءة واعية لما يملكه الفرد، وما يحتاج إليه، وما يريد أن يصير إليه.
ويتناول المحور الأول معنى الاختيار قبل البداية، والتمييز بين الرغبة العابرة والحاجة الحقيقية، وكيف يحدد الإنسان أولويته عندما تتزاحم أمامه الفرص والمسؤوليات، ويعود الحوار مع الأستاذ أحمد إلى طفولته ومراهقته، بحثًا عن الملامح الأولى التي بقي أثرها في شخصيته واختياراته، وعن الأحلام التي تغيرت، والأفكار التي رافقته حتى اليوم.
ثم ينتقل اللقاء إلى اللحظة التي تتحول فيها الرغبة إلى قدرة، فالبدايات لا تكتمل بالنية وحدها، بل تحتاج إلى تعلّم وتدرّب وممارسة، وهنا يطرح الحوار تساؤلاته حول الفرق بين نقص القدرة والخوف من التجربة، ودور التدريب في نقل المعرفة من معلومات يسمعها الإنسان إلى مهارة يستخدمها في حياته وعمله.
وتحضر كرة القدم، إحدى هوايات الأستاذ أحمد، بوصفها نافذة مختلفة لقراءة التدريب، فاللاعب لا يصل إلى المرمى بالرغبة وحدها، كما أن المتدرب لا يصل إلى الأثر بمجرد حضوره دورة تدريبية، وبين الملعب وقاعة التدريب يظهر سؤال «هندسة تسجيل الأهداف»: كيف نقرأ الاحتياج، ونبني الخطة، ونوزع الأدوار، ثم نعرف أن التدريب أحدث تغييرًا حقيقيًا في الأداء؟
وفي المحور الثالث، يقترب اللقاء من البيانات والجودة وقياس التقدم، وكيف يعرف الإنسان أن خطوته تسير في الاتجاه الصحيح؟ ومتى يكون الاستمرار صبرًا واعيًا، ومتى يتحول إلى بقاء في مسار لم يعد يخدم الهدف؟
وفي مراجعة المؤشرات وطريقة قياسها، قد يقضي الإنسان ساعات في التدريب من دون أن يظهر أثر واضح في أدائه، لذلك لا يكفي أن نسأل عن عدد الساعات أو الشهادات، بل نحتاج إلى السؤال عن التغيير الذي حدث، والمهارة التي انتقلت إلى الواقع، والأثر الذي لا تستطيع الأرقام وحدها أن تحكي قصته كاملة.
أما المحور الرابع، فيتجاوز البداية الفردية إلى صناعة الأثر، فالمعرفة التي تبقى داخل صاحبها لم تكمل رحلتها بعد، والمهارة الحقيقية تظهر حين تتحول إلى ممارسة، ثم تنتقل إلى الفريق والمؤسسة والمجتمع.
ومن واقع تجربة الأستاذ أحمد في تدريب مجموعات واسعة ومتنوعة، ومنها الفئات الإشرافية ضمن أعمال تعداد السعودية 2022، يفتح اللقاء النقاش حول كيفية تقديم المعرفة بما يناسب اختلاف قدرات المتدربين وخبراتهم، وكيف تتحول القرارات الفردية إلى نتائج ملموسة وأثر يمتد إلى الآخرين.
ويشارك في صناعة الحوار فريق ثلوثية «وماذا بعد؟» من زوايا متعددة؛ فيقود الأستاذ محمد العبدالباقي «أبو سعود» الحوار بأسئلة العمق وخارج الصندوق، ويأخذنا محمد عزوز إلى مساحات الاستكشاف والخبرة، بينما تقترب كوتش أمل حسين المولد من القدرة والإرادة وبناء المهارة، بأسئلة الكوتشنج والوعي النفسي.
كما يفتح اللقاء مساحته لمداخلات الجمهور بعد كل محورين، في حوار يلتقي فيه السؤال بالتجربة، وتتحول فيه خبرات الحاضرين إلى جزء من بناء المعنى.
تأتي حلقة «ما الذي أستحق أن أبدأ به؟» امتدادًا للربع الثاني من استراتيجية ثلوثية «وماذا بعد؟»، التي تقدم التعليم والتدريب داخل حوار إنساني مفتوح؛ ليتعلم الإنسان من القصة، ويفهم من السؤال، ويراجع نفسه من خلال تجارب الآخرين.
فالبداية لا تحتاج دائمًا إلى يقين كامل، لكنها تحتاج إلى بصيرة ترى الأولوية، وشجاعة تخوض التجربة، ووعي يراجع الطريق.
ويبقى سؤال الحلقة لكل من يستعد لبداية جديدة:
لو منحت نفسك فرصة البدء اليوم… فما الشيء الذي يستحق فعلًا أن تبدأ به؟

