قضاء حوائج الناس نعمة والمناصب لا تمنح أصحابها حق التعالي على الآخرين ثمة مواقف صغيرة تكشف لنا معادن بعض الناس أكثر مما تكشفه سنوات طويلة من المعرفة والعِشرة
من بين هذه المواقف أن تلجأ إلى شخص تعرفه تربطك به صداقة أو علاقة طيبة فتسأله عن فرصة عمل أو تستفسر منه عن وظيفة أو تطلب منه أن يدلك على طريق أو يوصلك بشخص قد يساعدك في أمر من أمور الحياة لا تطلب منه أن يمنحك وظيفة من جيبه ولا أن يتنازل لك عن منصبه ولا أن يقتطع من راتبه ليعطيك ولا تنتظر منه معجزة كل ما في الأمر أنك طرقت باب المعرفة وطرحت سؤالًا وربما علّقت أملًا بسيطًا على كلمة طيبة أو محاولة صادقة
لكن المفاجأة ليست دائمًا في الرفض بل في الطريقة التي يأتي بها الرفض!
فجأة يتغير الأسلوب وتطول مدة الرد وتصبح الرسائل بلا إجابة ويتحول الشخص الذي كان يبادلك الحديث والود إلى إنسان يصعب الوصول إليه وربما إذا صادفك في مكان ما أشاح بوجهه أو حاول تجنبك وكأن سؤالك وضعه في موقف لا يريد أن يكون فيه وهنا يحق لك أن تتساءل: ما الذي حدث؟ هل أصبح طلب المساعدة عبئًا إلى هذا الحد؟ وهل مجرد السؤال عن فرصة أو الاستفسار عن إمكانية المساعدة أصبح تهديدًا لمكانة أحد أو منافسة على ما يملك؟
عزيزي، أنت لست مطالبًا بمساعدة أحد ولا أحد يملك حق إلزامك بتقديم خدمة أو بذل جهد لا ترغب فيه من حقك أن تعتذر ومن حقك أن تقول بكل بساطة: لا أستطيع أو ليست لدي إمكانية للمساعدة وثق أنك مكان تقدير وعذر
ولكن ليس من حقك أن تجعل إنسانًا يشعر بأنه أخطأ حين وثق بك وسألك أو أن تعاقبه بالتجاهل والتكبر وكأن مجرد احتياجه انتقص من قيمته المؤلم أن بعض الناس حين يصلون إلى منصب أو يحظون بنفوذ أو تتسع دائرة علاقاتهم تتغير نظرتهم إلى الآخرين ينسون أنهم كانوا يومًا ما في بداية الطريق وأنهم احتاجوا إلى كلمة أو فرصة أو يد تمتد إليهم يصبح المنصب في نظرهم مسافة تفصلهم عن الناس وتتحول العلاقات إلى درجات فينظرون إلى من هم دونهم في المكانة الوظيفية أو الاجتماعية وكأنهم أقل شأنًا
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية فليست المشكلة في أن تملك النفوذ بل في أن تنسى إنسانيتك وأنت تملكه
إن قضاء حوائج الناس ليس منّة يتفضل بها الإنسان على غيره بقدر ما هو باب من أبواب الخير ونعمة تستحق الشكر وربما تكون كلمة منك سببًا في فتح باب رزق لإنسان وربما تكون إحالتك له إلى جهة مختصة بداية طريق جديد في حياته وربما لا تستطيع أن تقدم له شيئًا سوى الدعاء أو الاعتذار الكريم وهذا بحد ذاته لا ينتقص منك شيئًا
لا تجعلوا مواقعكم الوظيفية حواجز بينكم وبين الناس ولا تجعلوا علاقاتكم الاجتماعية رهينة لما تستطيعون تقديمه أو حجبه فالإنسان لا يُقاس بعدد الأشخاص الذين يحتاجون إليه بل بطريقة تعامله معهم حين يحتاجون إليه وتذكروا دائمًا أن الأرض تتسع للجميع وأن الأرزاق مقسومة وأن رزق إنسان لا يعني بالضرورة نقصان رزق إنسان آخر فلا تنظر إلى نجاح غيرك باعتباره خسارة لك ولا تتعامل مع فرصة قد يحصل عليها غيرك وكأنها انتزعت من نصيبك
فكم من شخص فتح بابًا لغيره ففتح الله له أبوابًا لم تكن في الحسبان وكم من إنسان ظن أن الفرص محدودة بينما كانت الحياة تخبئ له من الأرزاق ما لم يتوقعه لسنا بحاجة إلى علاقات تقوم على المصالح ولا إلى صداقات تتسع في أوقات الرخاء وتضيق عند أول طلب نحن بحاجة إلى علاقات تحفظ الود حتى حين نعجز عن تلبية طلبات بعضنا
ساعد إن استطعت واعتذر إن لم تستطع لكن لا تكسر خاطر إنسان جاءك بقلب مطمئن وراجياً فالمناصب زائلة والألقاب تتغير والوجوه التي نلتقي بها اليوم قد نحتاج إليها غدًا لكن الأثر الإنساني الطيب يبقى
وفي النهاية لا تخسروا أصدقاءكم وأحبابكم بسبب سؤال عابر أو وقت حاجة ولا تجعلوا بابًا تملكون مفتاحه سببًا في إغلاق أبواب المودة بينكم وبين الناس فليس كل من طلب منك المساعدة طامعًا في مكانك وليس كل من سألك عن فرصة ينافسك على رزقك أحيانًا كل ما في الأمر أن إنسانًا رأى فيك شخصًا يعرف الطريق فطرق بابك.
فلا تملّوا النعم ومن أعظم النعم أن يجعل الله على أيديكم خيرًا يصل إلى عباده

