في لحظة صفاء نادرة حين يتباطأ ضجيج العالم، ندرك حقيقةً طالما هربنا منها الحياة ليست طويلة كما نُمنّي أنفسنا بل هي ومضة سريعة تتبدد بين انتظارٍ لا طائل منه وتعلّقٍ بمن اختار الرحيل نمضي أعمارنا أحيانًا كأن الزمن سيتوقف احترامًا لأحزاننا وكأن الخيبات تملك سلطة تعليق حركة الكون غير أن الأيام لا تعرف الشفقة، والعمر لا يمنح فرصًا إضافية لمن يؤجلون عيشه والعالم لا يلتفت طويلاً لما أنجزناه ولا لما حُمِّلت به أسماؤنا من ألقاب
ومع مرور الوقت تتغير مقاييسنا دون أن نشعر ما كان يومًا عظيمًا يتضاءل وما حسبناه تفصيلاً عابرًا يكبر حتى يصير جوهر الحكاية نكتشف متأخرين أن القيمة لم تكن في الضجيج ولا في التصفيق بل في تلك اللحظات الصامتة التي وقفنا فيها وحدنا واتخذنا قرارًا صحيحًا دون شهود واخترنا أن نكون أوفياء لذواتنا حين كان التنازل أسهل وأكثر إغراءً والطرق مفتوحة ومتاحة .
سنعود بذاكرتنا إلى تلك المرات التي عفونا فيها ونحن نملك القدرة على الانتقام واخترنا السلام رغم ثقل الألم ووجع الظلم سنفهم أن القوة الحقيقية لم تكن في القسوة بل في ضبط النفس وأن الطهارة لم تكن في الابتعاد عن الخطأ فقط بل في رفضه حين كان قريبًا ومتاحًا سنشعر بالطمأنينة لأن أيدينا امتدت لمحتاج ولأن كلماتنا كانت جسورًا لا سكاكين ولأن نياتنا بقيت أنقى من صخب هذا العالم المتعب.
وحين نصل إلى لحظة الحساب الوجودي لن تُستحضر أرقام ولا أوسمة ولا إنجازات مصقولة للعرض سيكون السؤال أبسط وأعمق ماذا عن قلوبنا؟ ماذا عن الوعي الذي نشرناه والعلم الذي تركناه أثرًا والكلمة الصادقة التي غيّرت مسار إنسان أو النصيحة التي خرجت من قلب حيّ فأضاءت عتمة طريق؟ سنُسأل عن الأثر لا عن الظهور وعن الصدق لا عن الصورة.
عندها سنبتسم بهدوء لأننا بررنا والدينا بقدر استطاعتنا وكنّا أوفياء لأصدقائنا وحافظنا على الأمانة حين غابت العيون سنُدرك أخيرًا أن ما يبقى فعلًا ليس ما كُتب عنا بل ما كتبناه في قلوب الآخرين دون قصدٍ للاستعراض أن الأثر الطيب هو الخلود الوحيد الممكن وأن الكلمة الطيبة مهما بدت بسيطة تظل تتردد في النفوس النقية… مهما طال الزمن.

