ليست السمعة مفهومًا اجتماعيًا عابرًا ولا حكمًا يُصدره الآخرون من مقاعدهم البعيدة بل هي سؤال فلسفي قديم متجدد: من نكون حين لا يرانا أحد؟
فالسمعة في جوهرها ليست ما يُقال عنا بل ما يتسرّب منا دون قصد كظلٍّ يرافقنا أينما ذهبنا.
الإنسان ذو الشرف والقيمة لا يسعى إلى السمعة الطيبة بوصفها غاية بل بوصفها نتيجة طبيعية لاتساقه الداخلي فالفضائل لا تُستعرض، بل تُعاش وكل محاولة لتزييف السمعة تشبه محاولة تزوير الضمير قد تنجح لحظة لكنها تنهار عند أول اختبار حقيقي
في زمن اختلطت فيه المعايير أصبح السلوك أبلغ من الشعارات الكلمة قد تُبرَّر والنوايا قد تُدَّعى لكن الأفعال لا تكذب هنا تتجلى السمعة بوصفها الذاكرة الأخلاقية للإنسان سجلًا غير مكتوب تحفظه القلوب قبل العقول ويمكن القول إن السمعة هي الامتداد الخارجي للجوهر ما نفعله باستمرار يتحول مع الزمن إلى هوية والهوية بدورها تُترجَم في نظرة الآخرين إلينا لذلك، ليست السمعة حدثًا مفاجئًا بل تراكم بطيء لتفاصيل صغيرة صدق يتكرر خيانة تُؤجَّل ثم تظهر صبر يُختبر أو تهور يترك أثره العميق والمفارقة المؤلمة أن ما يُبنى في سنوات قد يُهدم في لحظة لحظة غضب أو كلمة قيلت بلا وعي أو تصرّف ظنناه عابرًا لكنه كان كافيًا لزعزعة الثقة وهنا تظهر هشاشة السمعة لا لأنها ضعيفة بل لأنها صادقة فهي لا تتحمّل التناقض وحين يعيش الإنسان منسجمًا مع قيمه تتوحّد صورته الداخلية مع صورته الخارجية فينشأ ما يمكن تسميته بالطمأنينة الأخلاقية أما حين ينفصل ما نعلنه عما نمارسه يبدأ التصدّع وتظهر السمعة بوصفها فضيحة الازدواج.
في عالمٍ تسوده السرعة والسطحية يغري الإنسان أن يعيش بلا ثقل أخلاقي أن ينجو بلحظته فقط دون أن يفكّر في الأثر. لكن الوجود لا ينسى كل فعل يُسجَّل لا في دفاتر الناس فحسب بل في بنية الذات نفسها فالإنسان كما قال الفلاسفة هو مجموع أفعاله لا مجموع نواياه السمعة هنا تتحول من فكرة اجتماعية إلى مسؤولية وجودية أنت مسؤول عن الأثر الذي تخلّفه حتى لو لم تقصده وحتى لو لم يُساءَل عنه أحد فأن تكون إنسانًا يعني أن تتحمّل تبعات حضورك في هذا العالم
ومن هذا المنظور تصبح خسارة السمعة ليست سقوطًا اجتماعيًا فقط بل اهتزازًا في المعنى هي لحظة يكتشف فيها الإنسان أن صورته لم تعد تعكس حقيقته أو أن حقيقته لم تكن كما ظن ولذلك فإن إعادة بناء السمعة ليست ترميمًا للواجهة بل مواجهة شجاعة مع الذات تبدأ بالاعتراف وتنتهي بالتحوّل والطريق الوحيد لاستعادة السمعة هو أن تصبح جديرًا بها من جديد لا أن تطالب بها فالعالم لا يمنح الثقة لمن يطلبها بل لمن يُجسّدها بصمت الصمت هنا ليس انسحابًا بل انضباط داخلي وصبر على أن يُعاد تشكيل المعنى ببطء.
وفي النهاية، حين يُسأل الإنسان: من أنت؟
لن تكون الإجابة في اسمه ولا في إنجازاته بل في الأثر الذي تركه في القلوب وفي مقدار الصدق الذي عاش به فالسمعةفي أعمق طبقاتها ليست ما يعرفه الناس عنك…
بل ما لا تستطيع أنت الهروب منه حقيقتك حين تواجه نفسك إن من يظن أن السمعة مجرد رأي الآخر يغفل عن حقيقتها الأعمق إنها انعكاس لعلاقتك بنفسك قبل علاقتك بالعالم ليست السمعة بابًا يفتحه الناس بل بابًا يفتحه الوجود ذاته حين تضيق السبل وتُغلق الأبواب يبقى للإنسان شيء واحد يتكئ عليه أثره الأخلاقي في هذا العالم.
فاحفظ سمعتك لا خوفًا من الناس بل احترامًا لذاتك…
لأنها في لحظة ما قد تكون آخر ما يعرّفك بك.

