هناء

ما يبقى بعد انطفاء الفوانيس

ليس رمضان مجرد ثلاثين يومًا تمرّ على التقويم ثم تمضي ولا هو ضيفٌ عابر يطرق أبوابنا كل عام ثم يغادر دون أثر رمضان ليس زمنًا نعيشه بقدر ما هو حالة نُستدعى إليها
كأن الزمن نفسه يتباطأ ليمنح الإنسان فرصة نادرة أن يلتفت إلى داخله وأن يصغي إلى ذلك الصوت الخافت الذي اعتاد تجاهله وسط ضجيج الحياة.

رمضان في جوهره رحلة…رحلة عميقة إلى داخل الإنسان إلى روحه إلى أسئلته المؤجلة
إلى السؤال الذي طالما تهرّب منه من أنا حين أصمت؟

في رمضان نهدأ…فنكتشف كم كنا متعبين دون أن نشعر نصوم عن الطعام لكننا في الحقيقة نصوم عن الامتلاء الزائف عن العجلة عن القسوة التي مارسناها طويلًا على أنفسنا قبل غيرنا.

رمضان يجرّدنا ثم يتركنا وجهاً لوجه مع ذواتنا يربينا بهدوء لا يشبه أي تربية أخرى يعلمنا الصبر دون محاضرات ويغرس فينا السلام دون أوامر فنصبح أكثر تسامحًا مع أخطائنا وأكثر رحمة بتقصيرنا وأقرب إلى الله لا خوفًا بل حبًا وطمأنينة لا كقاضٍ بل كملجأ

لكن السؤال الحقيقي يبقى كيف يمكن لتأثير ثلاثين يومًا أن يغيّر إنسانًا؟ الجواب ليس في عدد الأيام بل في عمق الشعور

ثلاثون يومًا…قد لا تكون كافية لتغيير إنسان
لكنها كافية لأن توقظه رمضان لا يصنع المعجزات هو فقط يفتح الباب ومن لا يعبره بإرادته لن يحمله الشهر على كتفيه فمن يدخله بقلبٍ مفتوح لا بعادة مكرّرة يخرج منه شخصًا آخر…أكثر وعيًا أكثر نقاءً وأكثر صدقًا مع نفسه

أما من يمرّ عليه رمضان كضيفٍ ثقيل
يعدّ أيامه انتظارًا للرحيل فلا عجب أن يغادره الشهر دون أن يترك أثرًا فالعقول التي لاتعرف التأمل والقلوب التي تخشى المواجهة
لا تعرف كيف توظّف بركات هذا الموسم العظيم ولا كيف تنصت لرسائله الخفية

ورمضان… نعم يترك رسالة رسالة في كل نفس وفي كل روح وفي كل عقل رسالة لا تُقال بصوتٍ عالٍ بل تُهمَس توقّف تأمّل
راجع نفسك وأعد ترتيب علاقتك بالله
وبالحياة وبذاتك

رمضان ليس وعدًا بالتغيير هو اختبار للنية
هل نريده أن يربينا؟ أم نريده فقط أن يمرّ؟
وهو يسألنا بهدوءٍ مربك ماذا ستفعل بما اكتشفته عن نفسك؟
هل ستحتفظ بالسلام الذي ذقته؟ هل ستصالح روحك بعد طول إنكار؟ هل ستبقي المسافة قصيرة بينك وبين الله حين تعود الحياة إلى صخبها؟
فإن أردنا صلاح حالنا وطمأنينة مشاعرنا ونقاء أرواحنا علينا أن نتدبّر هذه الرسالة
وأن نحملها معنا بعد انقضاء الشهر لا أن نتركها معلّقة مع فانوس العيد

رسالة رمضان ليست في الصيام ولا في الطقوس بل في التحوّل في أن ندرك أن أرواحنا يمكن أن تكون أخف وأن قلوبنا قادرة على الطمأنينة وأن القرب من الله ليس موسمًا بل اختيارًا يوميًا

قبل رمضان نحن شيء وبعده…يجب أن نصبح سؤالًا جديدًا أعمقأصدق وأكثر وعيًا بذاتنا فإن غادرنا رمضان وغادرت معه أسئلتنا فلن يبقى منه شيء أما إن بقي السؤال حيًا فينا فذلك هو الأثر الحقيقي…
الأثر الذي لا ينتهي بانتهاء الشهر.

اترك رد

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top