في ليلةٍ مباركة من ليالي الشهر الفضيل وتحديدًا في الثالث عشر من رمضان كان حي العروبة على موعدٍ مع مشهدٍ إنسانيٍّ لا يُنسى موائد امتدّت بطول المحبة وقلوبٌ اجتمعت قبل أن تجتمع الأجساد في فطورٍ جماعي أعاد إلى الأذهان بساطة الماضي ودفء العلاقات الصادقة
لم يكن اللقاء مجرّد مائدة طعام بل كان رسالة حيّة تؤكد أن المناسبات الاجتماعية خصوصًا في رمضان ليست ترفًا عابرًا بل حاجة روحية ومجتمعية تعيد ترتيب الأولويات وتُقرّب المسافات وتُرمّم ما قد تتركه مشاغل الحياة من فجوات بين الجيران وقد امتزج عبق الأطباق بصوت التحايا والدعوات وكلُّ شخصٍ يخدم من جهته طلبًا للأجر وكأن العطاء في تلك الليلة كان لغة الجميع .
إن هذه اللقاءات تعزّز قيمًا قد تبهت إن لم تجد من يوقظها قيمة التراحم حين يحرص الجار على مشاركة ما أعدّته يداه قيمة التعاون حين يتسابق الجميع في التنظيم والخدمة وقيمة التواضع حين تختفي الألقاب ويبقى الإنسان لأخيه الإنسان.
وقد حضر اللقاء رئيس الجمعية السعودية للفنون التشكيلية والمستشار الأستاذ محمد العلياني مؤكدًا أن هذا الاجتماع والترابط هو ما يوقظ فينا التكاتف والألفة والإخاء وهي عبارة تختصر فلسفة مثل هذه المناسبات إذ لا تقوم المجتمعات على القوانين وحدها بل على دفء العلاقات وصدق التواصل
وشهد اللقاء تكريم الأستاذ محمد الحارث تقديرًا لعطائه المتواصل وخدمته للحي دون انتظار مقابل أو ثناء في رسالةٍ واضحة أن المجتمع الذي يكرّم مبادرات أفراده إنما يؤسس لثقافة امتنانٍ واستدامةٍ للعطاء
كما عبّر الأستاذ راشد الجمعه عن روح الامتنان بقوله: نحمد الله على الأمن والأمان ونسأله الإخلاص في القول والعمل بينما أشار المهندس علي الأحمري بإعجاب: ما شاء الله كل واحد يقدّم ما تجود به روحه وأكد الأستاذ عبدالله الراشدي أن تكاتف الجيران صنع سباقًا إلى الخير ليختم الأستاذ أحمد الغامدي بقوله المؤثر: فطورٌ جمع القلوب قبل الأجساد وكسر حاجز الرسميات
وهنا تكمن أهمية مثل هذه المبادرات في أنها تعيد تعريف الجيرة من علاقة عنوانٍ وبابٍ متقابل إلى علاقة مسؤولية ومساندة وتزرع الطمأنينة فالمجتمع المتآلف أكثر أمانًا واستقرارًا وتُعلّم الأجيال معنى الانتماء عمليًا حين يشاهد الأطفال آباءهم في مشهد تعاونٍ صادق وتُخفّف العزلة الاجتماعية وتكسر الرسميات التي قد تبني حواجز غير مرئية
في زمنٍ تتسارع فيه الحياة تصبح هذه المناسبات محطات استراحة للروح نستعيد فيها إنسانيتنا الأولى ونجدّد عهد الأخوّة ونؤكد أن المجتمع القوي هو ذاك الذي يعرف أفراده بعضهم ويفرحون لبعضهم ويسند بعضهم بعضًا
إنها ليلة لم تكن عابرة بل كانت تذكيرًا جميلًا بأن الخير حين يُزرع في القلوب يُثمر مودةً دائمة، وأن الجار حين يُصبح أخًا تتّسع البيوت لتصبح وطنًا صغيرًا نابضًا بالمحبة
اللهم أدم المحبة والأخوة وألّف بين قلوب الجيران دائمًا على الخير

