في داخل كل إنسان طفلٌ لم يغادر لم يشيخ ولم يتعلّم بعد كيف يساوم الحياة على حساب دهشته طفلٌ يقف عند حافة الروح يراقبنا بصمتٍ طويل ينتظر لحظةً واحدة فقط… لحظة أمان
هذا الطفل لا يظهر حين نكبر بل حين نأمن فالكِبر لا يُحرّر الطفولة بل قد يدفنها تحت طبقاتٍ من لا ينبغي و لا يليق و ماذا سيقول الناس
أما الأمان فهو المفتاح الوحيد الذي يفتح باب هذا الكائن الهشّ البرئ الجميل في داخلنا حين نشعر بالأمان نضحك دون حساب نُخطئ دون خوف نعبّر دون رقابة ونحبّ دون حذر
لكن ماذا يحدث حين يُحرَم هذا الطفل من الأمان؟ويجد أسوار تحيطه ويُسجن لا في مكانٍ مرئي بل في أعماق النفس حيث تتكفّل العادات والتقاليد حين تُفهم بشكلٍ قاسٍ ببناء جدرانٍ عالية حوله.
وهناك يتحوّل الموروث من حارسٍ للقيم إلى سجّانٍ للبراءة
ومن مرآةٍ للهوية إلى سوطٍ يجلد العفوية
يُعاقَب الطفل فينا لأنه يضحك بصوتٍ عالٍ لأنه يندهش لأنه يسأل لأنه لا يُجيد التمثيل
فنُلقّنه الصمت… ونسمّي ذلك نضجًا نُعلّمه الخوف ونسمّي ذلك حكمة نُخفيه… ونسمّي ذلك وقارًا
لكن الحقيقة الأكثر إيلامًا أن هذا الطفل لا يموت بل ينتظر
ونحن… نشتاق إليه نشتاق لذلك الطفل فينا اشتياقًا خفيًا
نحتاج أحيانًا أن نضمه أن نربّت عليه كما يربّت أبٌ على طفله وقت الحاجة أن نهمس له لا بأس… ما زلت هنا لم أنسك نحتاج أن ندعمه حين يضعف أن نحميه حين يخاف
لا بعقلٍ مثقلٍ بالحذر بل بقلبٍ يشبهه… قلب طفل
نحتاج إلى عفويته إلى تلك الابتسامة الصغيرة التي كانت كفيلة بأن تعيد ترتيب العالم في أعيننا
إلى ضحكةٍ بلا حساب إلى مزاحٍ بسيط يعيد للحياة خفّتها التي فقدناها
نحتاج أن نعيش… لا أن نتقن فقط دور العيش
ففي حضرة هذا الطفل تعود الأشياء إلى بساطتها الأولى
وتفقد الحياة شيئًا من ثقلها المصطنع
فهو يظهر في لحظاتٍ غير متوقعة في حنينٍ غامض في دمعةٍ بلا سبب واضح في رغبةٍ مفاجئة بالهروب من كل شيء أو في ضحكةٍ صادقة لا نعرف كيف خرجت
إنه يذكّرنا بأننا لم نُخلق لنكون نسخًا من توقعات الآخرين بل كائناتٍ حيّة تشعر تفرح وتُخطئ بصدق
فهي تظهر فينا ليس عندما نكبر بل عندما نشعر أننا غير مُراقَبين نُحَب دون شروط ونٌقبَل كما نحن لا كما يجب أن نكون فالطفولة لا تُستعاد بالعمر بل تُستعاد بالأمان
حين نتصالح مع أنفسنا ونعيد تعريف الوقار لا كقيد بل كتوازن وحين نفهم أن النضج الحقيقي ليس في قتل الطفل داخلنا بل في حمايته
أن نمنحه مساحةً للظهور دون خوف أن نسمح له أن يفرح دون اعتذار أن نُصغي إليه حين يتعب… لا أن نُسكته ربما لسنا بحاجة إلى أن نكبر بقدر ما نحن بحاجة إلى أن نأمن
ففي الأمان، لا نعود أطفالًا بل نعود إلى حقيقتنا الأولى
قبل أن تُرهقها الحياة بتعريفاتها الثقيلة

