خيانة الوطن ..

في الوعي الجمعي تُختزل خيانة الوطن في صورٍ صاخبة ومباشرة:
جاسوسٌ يسرّب أسرارًا خائنٌ يتعاون مع العدو أو فاسدٌ ينهب خيرات البلاد أو جندي يتولى يوم الزحف
لكن الحقيقة الأكثر قسوة أن أخطر أشكال الخيانة لا تُرى ولا تُدان ولا تُعلّق على مشانق العدالة

إنها خيانة صامتة تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية وتُمارَس دون أن تُسمّى باسمها الحقيقي خيانة الوطن ليست فقط في تسليم الأرض بل في تسليم القيم ليست في اختراق الحدود بل في اختراق الضمير

فالأوطان لا تقوم على الإسفلت والخرسانة
بل على الثقة وحين يُخلف الإنسان وعده فإنه لا يكسر كلمة فحسب بل يُسقط حجرًا من جدار الوطن غير المرئي ذلك الجدار الذي إن تصدّع… تسللت منه كل الهزائم

خيانة الوطن…
أن تُؤتمن فتخون وأن تُفرّط في العهود والمواثيق أن تُعطى مسؤولية فتُهملها
وأن يكون بين يديك حقٌّ لغيرك فتعبث به وكأنه بلا صاحب الأمانة ليست خُلقًا فرديًا فحسب بل نظام حماية داخلي للوطن
إذا انهار… لم يعد الوطن بحاجة إلى عدو خارجي ليسقط

ثم تأتي الخيانة الأشد قسوة…
حين تُنتهك عرضاً وتسلب شرف إنسان
وتُدنس القيم وتُكسر كرامته وتذلّه بلا حق في تلك اللحظة لا تُهان الضحية وحدها
بل يُهان وطنٌ كامل

لأن كرامة الإنسان وعرضه ليست تفصيلًا عابرًا بل هي النصّ الحقيقي الذي يُقرأ به الوطن ومن يعتدي على إنسان كأنه يعتدي على وطنٍ بأكمله

أيّ وطنٍ هذا الذي نحمي حدوده بالسلاح
ونترك إنسانه يُسحق؟
وأيّ ولاءٍ هذا الذي نرفعه شعارًا بينما نهدمه بأفعالنا؟ والأكثر مرارة…
أن العدو لا يأتي دائمًا من خلف الحدود
بل قد ينظر إلينا من المرآة وهو بيننا فليس الإخلاص والحب للوطن أن تحمل سلاحًا
وقلبك مُحمّل بالظلم ولا أن تهتف باسم الوطن وأنت تهدمه وتخونه في الخفاء

وأيّ حبٍ للوطن هذا…
وأنت تهتك عرضًا وتؤتمن على شرف وتغدر وتختبئ خلف الشعارات؟وأيّ حبٍ هذا…
وأنت لا تفي بوعدٍولا تحفظ عهدًا؟
وأيّ حبٍ هذا…وأنت تكسر إنسانًا وتُذلّ كرامته، وتخذله في أكثر لحظاته احتياجًا؟
أيّ وطنٍ يبقى…إذا كان أبناؤه يرفعونه كلمات ويُسقطونه أفعالًا؟الوطن لا يُحمى بالضجيج
ولا بالشعارات ولا بالمظاهر الوطن يُحمى…
بالعدل بالوفاء بصيانة كرامة الإنسان والحفاظ على الأمانة يُحمى بيدٍ تحفظ لا تعبث وبكلمةٍ تُوفى لا تُنكث وبضميرٍ حيّ… لا ينام والمفارقة التي لا تُقال كثيرًا…أن الحروب لا تبدأ دائمًا من الخارج بل تنمو أولًا في الداخل حين نتآكل بصمت ونُبرر ونعتاد خيانة الوطن ليست لحظة عابرة بل سلوكٌ يتكرر حتى يصبح واقعًا وإخلاص الوطن…
ليس شعارًا يُقال بل مسؤولية أخلاقية تبدأ من أصغر فعل وتُقاس بما نفعله حين لا يرانا أحد…إلا ضمائرنا
فإمّا أن نكون لهذا الوطن نبضًا يحميه
أو… صدعًا يتّسع فيه حتى ينهار احمي الوطن بضميرك وأفعالك قبل سلاحك

اترك رد

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top