بقلم : عاطف بن علي الاسود
في ظل التحولات المتسارعة نحو التنمية الصناعية والاقتصادية ظهرت تحديات بيئية وصحية تؤثر على استدامة الموارد وجودة الحياة وتبرز محاسبة البيئة كأداة عملية تربط بين النمو الاقتصادي وحماية الانسان من خلال قياس الاثر البيئي وادخاله في صناعة القرار
محاسبة البيئة تمثل منهجية حديثة لتحديد التكاليف البيئية وربطها بالسياسات واداء المؤسسات وتسهم في تقليل التلوث وتعزيز الممارسات المستدامة لان غياب هذا النهج يؤدي الى استمرار الانبعاثات الضارة وما يترتب عليها من امراض مزمنة ترفع كلفة العلاج وتؤثر على جودة الحياة والانتاجية
وتبرز مدينة الجبيل الصناعية كنموذج متقدم يجمع بين الصناعة والاستدامة حيث نجحت في بناء منظومة بيئية متكاملة تشمل مراقبة الانبعاثات ومعالجة النفايات وتوسيع المساحات الخضراء وذلك باشراف الهيئة الملكية للجبيل وينبع التي تطبق انظمة دقيقة لرصد جودة الهواء والمياه وتلزم المنشآت الصناعية بالمعايير البيئية الحديثة
ورغم طابعها الصناعي استطاعت الجبيل تحقيق توازن بيئي واضح من خلال مشاريع التشجير واستخدام تقنيات ري حديثة مما ساهم في تحسين المناخ المحلي وخفض درجات الحرارة ورفع جودة الهواء وانعكس ذلك بشكل مباشر على الصحة العامة من خلال تقليل معدلات الامراض المرتبطة بالتلوث وتخفيف الضغط على الخدمات الصحية
العلاقة بين البيئة والصحة اصبحت حقيقة اقتصادية واضحة فخفض التلوث يعني تقليل النفقات الصحية ورفع الانتاجية وتقليل الغياب الوظيفي وتوجيه الموارد نحو التعليم والابتكار وتشير التقديرات الدولية الى ان كل دولار يستثمر في الوقاية البيئية يمكن ان يوفر عدة اضعاف من التكاليف الصحية مستقبلا
وتنسجم هذه الجهود مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي جعلت الاستدامة البيئية ضمن اولوياتها من خلال مبادرات نوعية تدعم الاقتصاد الاخضر وتطوير المدن الصناعية المستدامة
تجربة الجبيل تقدم نموذجا عمليا يؤكد ان التنمية لا تقاس بحجم الانتاج فقط بل بقدرتها على حماية الانسان وتحسين جودة حياته وان الصناعة يمكن ان تكون داعما للاستدامة عندما تدار وفق منهج علمي يضع البيئة والصحة في قلب الاقتصاد
للتواصل
مستشار في الاقتصاد الصحي والتخطيط الاستراتيجي
البريد الالكتروني sir.atif@hotmail.com
X @alaswadatif

