مرافئ الستين وعزة النفس

بقلم عبدالله ابورشيد

سألتُ أحدهم: متى تكبر؟..

فأغضى بصرَه كأنما يستحضرُ عُمرًا من الصبرِ، ثم أجاب:

“لقد كبرتُ.. واللهُ أكبرُ في صدري من ضجيجِهم. كبرتُ حتى لم يعد (القيلُ والقالُ) يُربكُ نبضي، ورأيتُ القائلين في مرايا الحقيقةِ يصغرون.. يتضاءلون.. حتى غدوا كالهباء.

أصبحَ اليومَ يقرأُ الريحَ قبل هبوبها، يميّزُ بقلبِه بين (الخطرِ) و(الأخطرِ)، ولا يبالي. ونثرَ ما تبقى من عاطفتِه مائدةً من الحبِّ الصادق، يفرشُها بساطاً تحت أقدامِ العابرين، يطعمُهم من كبرياءِ روحهِ ويمضي.. لا يريدُ منهم حتى الالتفات.

أدركَ بيقينِ العارفِ أن (ترفَ الوقتِ) يُنحرُ قرباناً تحت أقدامِ المظاهرِ الخادعة، ورأى كيف يغرقُ الناسُ في بَذخِ القشورِ والروحُ ظمأى. وفي زمنٍ صار فيه (الوصلُ) مفاخرَ جوفاء، وتصنيفاتٍ ترفعُ هذا وتضعُ ذاك، أعلنَ اعتزالَه لتلك الموازين؛ فما عادت تلك القوالبُ تجعلُه (أحقر) في عينِ نفسه، بل صارَ يرى في ترفّعِه عُلوّاً لا يدركه أصحابُ المفاخر.

لم يعد يغريهِ بريقُ الوجوهِ المستعارة، فقد شبعَ من كشفِ الأقنعة. جعلَ بينَه وبينَ زيفِ المجتمعِ (برزخاً) لا يبغيان؛ مسافةً من وقارٍ تحمي هدوءَه المُقدس. يسيرُ بينَهم كالغريبِ الذي يحملُ في جيبِه سرَّ السكينة، قنوعاً بما آتاهُ الله، يزهدُ في مآربِ الطامعين، ويشرقُ كشمسِ الأصيلِ.. هادئةً، عميقةً، وجميلةً قبل المغيب.”

خاتمة :

وقفتُ أمامَ كلماتِه صامتاً، يملؤني الإعجابُ بهذا الشموخِ الذي لا يكسرهُ زمن، وهذا الوقارِ الذي استوطنَ الروحَ قبل أن يسكنَ الملامح.

فرأيتُني أعودُ بذاكرتي إلى الوراء، إلى وجوهِ أبي وجدي وأمي -رحمهم الله- وهم يرقبوننا بعينِ الحكمة. تذكرتُ حينما كان يبدرُ منا سوءُ سلوكٍ أو إخفاقٌ ونحنُ صغار، فكانوا يقولون لنا بعتبٍ حانٍ: “كلما كبرتَ أدبرت!”.. كان مَثلاً يُقالُ لمن يَكبرُ في السنِّ ويصغرُ في العقل.

لكنني اليومَ أمامَ هذا الرجل، رأيتُ الكِبرَ الذي يُقبلُ بصاحبهِ نحو النورِ لا الذي يُدبرُ به عن الرشد. لقد أثبتَ لي أن الكبرَ الحقيقي هو تلك المقدرةُ على أن يظلَّ الإنسانُ أكبرَ من صغائرِ البشر، وأغنى بنفسِه عن كلِّ المفاخر.

تلاشى صوتُه في المدى، وبقيتُ أنا أصارعُ أصداءَ الماضي والحاضر، وأرتدَّ السؤالُ لي.. يطرقُ جدرانَ قلبي بعنف: متى أكبر؟

وأنت بدورك يامن تقرأ حروفي سيرتد لك صدى

السؤال بروية هل كَبرتُ حقاً رشداً لا سناً ،

اترك رد

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top