بقلم : عاطف علي الأسود
اكثر ما يواجه الكاتب الحقيقي ليس ضعف الفكرة بل محاولات التقليل من التجربة قبل ان تنضج في اعين الاخرين فهناك من يعتقد ان الكتابة مجرد كلمات مرتبة بينما الحقيقة ان خلف كل سطر سنوات طويلة من القراءة والتأمل والصبر والانكسارات الفكرية ومحاولات بناء الذات
فالكاتب الماهر لا يولد فجأة ولا تصنعه منصات التواصل بل تصنعه المدارس الثقافية العميقة التي يتتلمذ عليها بصمت فمن يقرأ للاعلامي القدير محمد رضا نصر الله او للمفكر إبراهيم البليهي او للاديب والمؤرخ حمد الجاسر ويغوص في تجربة أدونيس سيدرك ان الكتابة ليست استعراضا لغويا بل بناء ثقافيا وفكريا يحتاج الى عمر كامل
كما ان المشهد الثقافي العربي زاخر بقامات فكرية وادبية تركت اثرا عميقا في الوعي العربي الحديث ومن ابرزهم غازي القصيبي الذي جمع بين الفكر والادارة والادب وقدم مؤلفات شكلت مساحة واسعة للتأمل في الانسان والتنمية والمجتمع اضافة الى اسماء عربية بارزة اسهمت في اثراء الثقافة العربية الحديثة مثل نجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف وطه حسين ومالك بن نبي الذين لم تكن كتاباتهم مجرد اعمال ادبية بل مشاريع فكرية اسهمت في تشكيل الوعي والثقافة العربية عبر اجيال متعددة
كما ان التكوين المعرفي لا يكتمل الا بالاطلاع على تجارب نقدية وادبية محلية عميقة مثل ما يقدمه الاديب والمثقف عدنان العوامي الذي يمثل حالة فكرية نقدية مميزة في المشهد الثقافي او العودة الى التراث السردي والتاريخي عند الاديب محمد سعيد المسلم ولا سيما في كتابه ساحل الذهب الأسود الذي يعد مرجعا مهما في توثيق الذاكرة الاجتماعية والاقتصادية للمنطقة الشرقية
فالقراءة في مثل هذه المؤلفات لا تمنح الانسان المعرفة فقط بل تعطيه وعيا فكريا وقدرة اكبر على التعلم وفهم الحياة والناس والتجارب المختلفة ومنذ ان اسست مكتبتي المتواضعة كنت اجد متعة حقيقية في القراءة لمثل هذه القامات الفكرية والادبية واستفدت كثيرا من اساليبهم في الطرح والكتابة والتحليل ولا ازال حتى اليوم اتعلم من تجاربهم لان الكاتب الحقيقي يدرك ان التعلم رحلة لا تتوقف مهما امتلك من الخبرة او التجربة
ومنذ البدايات الاولى كنت اقرأ بشغف للاديب محمد العلي وكنت اتابع تجارب كتاب وادباء اثروا الساحة الثقافية وكنت ادون محاولاتي المتواضعة في دفاتر خاصة اراجعها واعيد كتابتها مرات عديدة لم اكن ابحث عن الشهرة بقدر ما كنت ابحث عن الثقة بالنفس والقدرة على التعبير الحقيقي
كانت البداية صعبة والنقد واسعا والتشكيك حاضرا بعضهم لم يكن يصدق ان ما اكتبه نابع من جهد شخصي وتجربة قراءة طويلة وكأن الكاتب يحتاج الى شهادة قبول من الاخرين حتى يسمح له بالكتابة لكن الحقيقة التي تعلمتها مبكرا ان كل تجربة ناجحة مرت بمراحل من الرفض والتشكيك وربما السخرية ايضا
وخلال هذه الرحلة تعلمت الكثير من المواقف التي لم اكن اتوقع اثرها المستقبلي احيانا كانت الثقة ببعض الاشخاص او الاختلافات في وجهات النظر تضعني في مواقف محرجة لم احسب عواقبها بالشكل الكافي ومع الوقت ادركت ان حسن النية وحده لا يكفي دائما وان التجربة تعلم الانسان كيف يوازن بين العفوية والحذر وبين وضوح الرأي وفهم طبيعة الاختلاف بين الناس
كما ادركت ان ليس كل نقد عداوة وليس كل اختلاف اساءة وان بعض التجارب مهما كانت قاسية تمنح الانسان قدرة اكبر على النضج واعادة قراءة ذاته بصورة اكثر هدوءا ووعيا
حتى كبار الادباء والمفكرين لم يسلموا من ذلك فأدونيس نفسه تحدث عن قسوة البدايات وصعوبة تقبل المختلف لان المجتمعات كثيرا ما تخاف من التجارب الجديدة قبل ان تعترف بها لاحقا
فالاستمرار في الكتابة ليس مجرد هواية بل موقف داخلي قائم على الثقة بالنفس والايمان بالفكرة الكاتب الحقيقي لا توقفه حملات التحريض ولا تؤثر فيه محاولات التقليل او التشفي لانه يعرف ان القيمة الحقيقية ليست في الضجيج بل في الاثر الذي يبقى مع الزمن
يبقى القلم هو الخط الذي يكتب بما داخلك لتبتعد عن كل من يشكك في قدراتك او ميولك اما من لا يصدق ما تكتب فذلك لا يزعزع ثقتك بنفسك فأنت تكتب لقناعتك وما تملكه من قدرة نابعة من جهدك ومعلوماتك وصياغة كتاباتك التي قد تميزك عندما يقرأ القارئ فهناك دائما من يعرف اسلوبك ويميز حضورك بين السطور
فالكتابة في النهاية ليست معركة لارضاء الجميع بل مسؤولية اخلاقية وفكرية تجاه القارئ والتاريخ ومن يكتب بصدق ويستند الى المعرفة والتوثيق والتحليل سيبقى مهما حاول البعض التقليل من تجربته لان الكلمة الصادقة تعيش اطول من الضوضاء المؤقتة
عاطف علي الأسود
مستشار متخصص في الأقتصاد الصحي و محاسبة البيئة
البريد الالكتروني
sir.atif@hotmail.com
منصة X
@alaswadatif









