بقلم: نورة هباش
بدأت قصتي قبل أن تطأ قدماي أرض الكنانة… تلك الأرض التي كنت أسمع عنها كثيرًا، وأحلم بزيارتها، دون أن أعلم أن رحلتي إليها لن تكون مجرد سفر، بل اختبارًا لقلبي وعقلي معًا.
لم يكن لقاؤنا الأول وجهًا لوجه، بل كان صوتًا عابرًا، ونظرة مسروقة عبر شاشة هاتف.
كان “رمسيس” كما أحب أن أناديه، حاضرًا في مكالمات شقيقتي، يمر صوته سريعًا، لكن أثره كان يبقى طويلًا في داخلي.
في البداية، كان مجرد فضول…
كيف لشخص لا أعرفه أن يلفت انتباهي بهذا الشكل؟
كنا كأننا مراهقان، كلٌ منا يختلس لحظة ليرى الآخر، كلمة هنا، ابتسامة هناك… حتى تحولت تلك اللحظات الصغيرة إلى شيء أكبر بكثير.
كنت أظن أنني أسيطر على مشاعري… لكن الحقيقة أنني كنت أنجرف ببطء.
حين سافرت إلى مصر، شعرت وكأنني أدخل قصة كنت أكتبها بنفسي.
رأيته أخيرًا… لم يكن مجرد صوت أو خيال، بل كان حقيقيًا، حاضرًا بكل تفاصيله.
كان جذابًا… هادئًا بطريقة غريبة، وقاسيًا أحيانًا بطريقة لم أفهمها وقتها.
كنت أفسّر بروده على أنه غموض، وأقنع نفسي أن خلفه قلبًا مختلفًا.
وهنا كانت أول أخطائي.
بدأت أقترب أكثر…
أعطي أكثر…
وأبرر أكثر…
كنت أرى الإشارات، لكنني تجاهلتها.
كنت أشعر بعدم الارتياح أحيانًا، لكنني كنت أهرب من هذا الشعور.
كنت أظن أن الحب يعني أن نصبر، أن نتحمل، أن نعطي بلا حساب.
لكنني لم أكن أعلم أن الحب الحقيقي لا يجعلك تشك في نفسك، ولا يجعلك تبكي في صمت.
ومع الوقت… بدأت الحقيقة تظهر.
لم يكن كما تخيلته.
لم يكن ذاك الشخص الذي سيحمل قلبي بحنان…
بل كان شخصًا لا يدرك قيمة ما يُعطى له.
كلماته أصبحت أبرد…
اهتمامه اختفى تدريجيًا…
وأنا؟ كنت أحاول التمسك بشيء يتلاشى بين يدي.
وفي لحظة صمت طويلة…
فهمت.
فهمت أنني لم أخسر شخصًا… بل أنقذت نفسي.
الفصل الثاني: ما بين الإشارة والإنكار
لم تكن المشكلة يومًا في ما كان يفعله “رمسيس”
بل في ما كنت أختار أنا ألا أراه.
كنت ألاحظ التغيّر… نعم.
نبرة صوته لم تعد كما كانت، اهتمامه لم يعد حقيقيًا، حضوره أصبح متقطعًا كأنه واجب يؤديه لا رغبة يشعر بها.
لكنني كنت أبرر.
أقول:
“ربما هو مشغول…”
“ربما يمر بظروف…”
“ربما أنا أطلب الكثير…”
وهنا كانت الكارثة…
حين تبدأ الفتاة في اتهام نفسها بدلًا من مواجهة الحقيقة.
كان لقاؤنا يتكرر، لكن الشعور لم يعد كما في البداية.
كنت أنا التي تبادر… أنا التي تنتظر… أنا التي تشتاق أكثر.
أما هو؟
فكان دائمًا في منطقة آمنة… لا يقترب كفاية ليحب، ولا يبتعد كفاية ليُنسى.
وأسوأ ما في هذا النوع من العلاقات…
أنه يستهلكك ببطء.
في إحدى الليالي، جلست أمام المرآة طويلًا.
نظرت إلى نفسي وكأنني أراها لأول مرة.
سألت نفسي:
“هل هذه أنا؟”
“أين تلك الفتاة التي كانت تعرف قيمتها؟”
لم أجد إجابة
فقط شعرت بثقل في صدري، وكأن شيئًا داخلي يصرخ:
“كفاية.”
لكنني لم أتوقف.
وهنا كان ضعفي الأكبر.
الفصل الثالث: اللحظة التي كسرتني
لم تأتِ الصدمة فجأة…
بل جاءت هادئة… باردة… قاسية.
اكتشفت صدفة أنه لم يكن صادقًا كما ادعى.
لم أكن الوحيدة في حياته…
ولم أكن حتى الأهم.
كان يتحدث بنفس الطريقة… بنفس الكلمات
لكن مع أخريات.
في تلك اللحظة، لم أشعر بالغيرة
بل شعرت بالإهانة.
كيف سمحت لنفسي أن أكون خيارًا؟
كيف أقنعت نفسي أن الفتات حب؟
واجهته.
لم أنسَ تلك اللحظة
كان هادئًا بشكل مستفز، كأن الأمر لا يعنيه.
لم يعتذر كما توقعت
لم يحاول حتى التمسك بي.
فقط قال:
“أنتِ فهمتي الموضوع غلط.”
جملة واحدة
لكنها كانت كفيلة أن تهدم كل شيء.
في تلك اللحظة، لم ينكسر قلبي فقط
بل انكسرت الصورة التي بنيتها له في خيالي.
واكتشفت الحقيقة المؤلمة:
أنا لم أحب شخصًا
أنا أحببت وهمًا.
الفصل الرابع: ما بعد السقوط
عدت إلى غرفتي وكأنني أحمل العالم فوق كتفي.
لم أبكِ فورًا
بل جلست في صمت طويل.
وأحيانًا… الصمت يكون أقسى من البكاء.
بدأت أراجع كل شيء
كل موقف… كل كلمة… كل إشارة تجاهلتها.
وكل مرة كنت أقول فيها “عادي”
كانت في الحقيقة جرحًا صغيرًا يتراكم بداخلي.
بكيت بعدها… كثيرًا.
لكن لم يكن بكاء ضعف
كان بكاء وعي.
الفصل الخامس: القرار
في صباح اليوم التالي…
استيقظت بشعور مختلف.
لم يكن ألمًا فقط…
بل وضوح.
أدركت أن الاستمرار في علاقة تُهينني…
هو خيانة لنفسي.
ولأول مرة…
اخترت نفسي.
حذفت رقمه.
أغلقت كل الطرق التي قد تعيدني إليه.
وقفت أمام المرآة مرة أخرى…
لكن هذه المرة، لم أسأل: “أين أنا؟”
بل قلت:
“أنا هنا… ولسه هرجع أقوى.”
الفصل السادس: التعافي ليس سهلاً
التعافي لم يكن سريعًا…
ولا جميلًا كما يظنه البعض.
كانت هناك ليالٍ أشتاق فيها…
أفكر… أتساءل…
“هل كان ممكن يبقى مختلف؟”
لكنني كنت أعود لنفسي كل مرة…
وأتذكر الحقيقة.
تعلمت أن الاشتياق لا يعني أن أعود.
وأن الحنين لا يعني أن العلاقة كانت صحيحة.
الجزء السابع: رسالة لكل فتاة
لو كنتِ تقرئين قصتي الآن…
فربما مررتِ بشيء مشابه.
وأريدك أن تعرفي شيئًا مهمًا:
أنتِ لستِ ضعيفة لأنك أحببتِ…
لكن ستكونين قاسية على نفسك إن بقيتِ في علاقة تؤذيك.
لا تبرري الإهمال.
لا تقبلي أن تكوني خيارًا.
ولا تنتظري من شخص أن يقدّرك… بينما هو لا يرى قيمتك من الأساس.
الحب الحقيقي لا يُربكك…
لا يُهينك…
ولا يجعلكِ تشكين في نفسك.
ظننت أن القصة انتهت هنا…
لكن الحياة كان لديها فصل آخر لم أتوقعه.
شخص جديد…
بطريقة مختلفة…
ونظرة جعلتني أتساءل:
“هل يمكن أن يبدأ القلب من جديد… ولكن هذه المرة… بوعي؟”

