بقلم : عاطف بن علي الأسود
ليست كل الخسائر التي يمر بها الانسان خسائر مادية فهناك خسائر اشد ايلاما حين يجد نفسه امام محاولات مستمرة لهدم علاقات بناها على مدى سنوات طويلة من الاحترام والمحبة والوفاء بسبب اشخاص لا يعيشون الا على نقل الكلام واثارة الفتن وصناعة المسافات بين القلوب
المؤلم ان بعض البشر لا يشعرون بقيمتهم الا حين ينجحون في افساد علاقة جميلة او زرع الشك بين شخصين جمعتهما سنوات من العشرة والمواقف النبيلة فتراهم يتنقلون بالكلام من مجلس الى اخر ويضيفون ويحذفون ويحرفون المعاني وفق ما يخدم اهدافهم وكأنهم وجدوا في اذية الاخرين متعة وفي اشعال الخلافات انجازا
فهناك من يتقن لعب الادوار المتناقضة بمهارة غريبة يظهر لك المحبة والحرص والاهتمام بينما ينقل عنك في الخفاء كلاما غير دقيق او يصنع مواقف لم تحدث او يفسر الامور وفق هواه فقط ليهز صورة العلاقة ويزرع التوتر والريبة بينك وبين من تعزهم وتكن لهم كل الاحترام
والاصعب من ذلك ان الطرف الاخر قد يتأثر بما يسمعه خصوصا حين تتكرر عليه الروايات والهمسات بطريقة مدروسة فيبدأ الفتور وتبدأ المسافات دون ان يعرف الحقيقة كاملة وهنا يشعر الانسان بحجم الظلم الذي قد يتعرض له نتيجة اشخاص اعتادوا العبث بالعلاقات الانسانية دون ادنى مسؤولية او ضمير
لكن الحياة علمتنا ان الثبات على المبدأ اهم من الانفعال وان الانسان الحقيقي هو من يصمد امام هذه المنعطفات ولا يسمح للالم ان يغير اخلاقه او يدفعه الى الاساءة مهما كانت قسوة ما يتعرض له لان الايام مهما طالت كفيلة بان تكشف الحقيقة وتظهر من كان ينقل الكلام بهدف الاصلاح ومن كان ينقله بهدف الهدم والوقيعة
وقد يضطر الانسان احيانا الى مصارحة الشخص الذي يعنيه الامر بكل ما يصله رغم مرارة ذلك ورغم انه لا يرغب اصلا في الدخول في هذه التفاصيل المؤلمة لكنه يصل الى مرحلة لا يستطيع فيها تحمل المزيد من الضغوط او الاستمرار في الصمت امام من يلعب من الجهتين ويحاول الايقاع بينه وبين من يحب ويعز
فالمصارحة مهما كانت قاسية تبقى احيانا ضرورة لحماية العلاقة من مزيد من التآكل لان استمرار الكتمان قد يمنح اصحاب الفتن مساحة اكبر للعبث وتشويه الحقائق وهنا تصبح الشفافية المؤلمة اهون من صمت طويل يفتح الابواب امام سوء الفهم والتراكمات
وقد تكون ردة الفعل في البداية سلبية او متشددة من الطرف الاخر وهذا امر طبيعي لان الانسان بطبيعته لا يحب ان يسمع ان هناك من كان يتحدث وينقل عنه او يحاول العبث بعلاقاته لكن مع الوقت تبدأ الصورة بالاتضاح خصوصا حين تتكرر المواقف وتتكشف الحقائق ويظهر التناقض في كلام من كان يتلاعب بالجميع
ولذلك لا ينبغي ان تلوم من ابتعد او تغير موقفه لان بعض الناس قد يكون ضحية لما سمعه وما نقل اليه بطريقة جعلته يظن ان ما وصله حقيقة كاملة بينما الواقع مختلف تماما والانسان العاقل حين تهدأ مشاعره يعيد التفكير ويكتشف بنفسه اين كان الخلل ومن كان سببا في هذه الفوضى الانسانية
ان العلاقات الصادقة لا تختصرها لحظة سوء فهم ولا تهزمها كلمات عابرة لانها بنيت على تاريخ طويل من المواقف والوفاء لكن المؤلم حقا ان هناك من يكرس وقته وجهده لافساد ما لا يستطيع بناءه وكأن نجاحه الوحيد في الحياة ان يرى الاخرين مختلفين ومتباعدين
ويبقى الانسان الاصيل هو من يحافظ على احترامه حتى في اصعب الظروف ويظل ثابتا على مبادئه مهما تعرض للخذلان لانه يدرك ان الاخلاق ليست ردة فعل بل قيمة ثابتة لا تتغير بتغير الاشخاص والمواقف
وفي النهاية لا يصح الا الصحيح وستأتي الايام التي تنكشف فيها الوجوه وتسقط الاقنعة ويعرف الجميع من كان صادقا في مشاعره ومن كان يعيش على نقل الكلام وصناعة الفتن وتصفية الحسابات على حساب علاقات لها تاريخها ومكانتها واحترامها الكبير
وحين تظهر الحقيقة سيدرك الجميع ان العلاقات الصادقة قد تتعب لكنها لا تموت وان من حاول العبث بها لم يكن يملك سوى الكلام اما المواقف الصادقة والعشرة الطويلة فتبقى اقوى من كل محاولات التشويه والوقيعة
فالزمن كفيل بان يكشف من كان سببا في الخلاف ومن كان حريصا على بقاء الود والاحترام وستبقى القلوب النقية اكثر قدرة على تجاوز الالم لانها لم تبن علاقاتها على المصالح ولا على نقل الكلام بل على الوفاء والصدق وحفظ العشرة مهما اشتدت الظروف
————————
X: @alaswadatif
Email: sir.atif@hotmail.com

