( الكبار صُنّاع الفرح وحفّاظ الوصل واقع شهدته في منزل ) ” اختي الكبرى “

بقلم : نوال السعد

يقول الدكتور حمد محمد الزبن: “ليست كل مناسبة ناجحة صنيعة المال، بل إن كثيراً منها صنيعة رجل أو امرأة آمنوا بأن جمع الأهل والأقارب قيمة تستحق العناء”.
وهذه كلمة تصيب لبّ الحقيقة التي نغفل عنها.

نظن أن اللمة تحدث وحدها، وأن صلة الرحم تنمو تلقائياً، وأن العيد يرتب نفسه. ثم نكتشف بعد غياب “الكبار” أن البيت برد، وأن الأبناء لا يعرفون أبناء عمهم، وأن العيد صار مجرد يوم في التقويم. الحقيقة أن خلف كل اجتماع ناجح يقف جهد خفي لا يُرى، اتصالات لا تنقطع، ترتيب يبدأ قبل المناسبة بأيام، تكاليف تُدفع بصمت، ومتابعة لا تمل، وربما تنازلات توجع النفس لكنها تحفظ الود. الكبار سناً أو قدراً ومقاماً هم من يتقدمون لهذا كله، ليس بحثاً عن ثناء، بل لأنهم أدركوا أن العلاقات لا تنمو وحدها، وأن الأرحام تحتاج من يجدد وصلها.

والله سبحانه لم يجعل صلة الرحم عادة اجتماعية فقط، بل قرنها بالبركة والفساد معاً. قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: 22]، وجعل الوصل سبباً في بسط الرزق وطول العمر، قال النبي ﷺ: “من أحب أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه”. فمن يتقدم لجمع الشمل لا يصنع مجرد وليمة، بل يحفظ سبباً من أسباب الخير في الدنيا والآخرة.

الكبار لا يصنعون احتفالاً فحسب، بل يصنعون ذاكرة مشتركة تبقى للأجيال، فيحكي الطفل بعد عشرين سنة: “أتذكر لما كنا نجتمع عند جدي؟”. ويصنعون فرصاً متجددة للتآلف، فتذوب الخصومة عند اللقاء، وتردم الجفوة كلمة طيبة أو صحن يُمرر على الطاولة. ويصنعون شعوراً بالانتماء، فيرى الصغير أنه جزء من جمع كبير، وأن له جذوراً تمتد، ومكاناً محفوظاً لا يضيع.

وقد شهد الشعر لهذه القيمة قديماً، قال المتنبي:
ومن يكن ذا فضل فيبخل بفضله
على قومه يُستغنَ عنه ويُذمم
وقال حاتم الطائي:
أما والذي لا يعلم الغيب غيره
ويُحي العظام البيض وهي رميم
لقد كنت أطوي البطن والزاد حاضر
رجاء ثواب الله والبِرُّ دائم

وما إن يغيب هؤلاء الجامعون، حتى تكتشف الأسرة أن الاجتماع لم يكن يحدث تلقائياً. كان يحدث لأن هناك من آمن أن لمّ الشمل عبادة، وتحمل تعب الترتيب، ودفع ثمن التنازل. فبعض الناس يشاركون الفرح إذا وجدوه، وأما الكبار الحقيون فيصنعونه بأيديهم اليوم، حتى لا نندم غداً على فجوة اتسعت، وجفوة طالت، ورحم تقطعت كان بالإمكان وصلها.
……….
نوال السعد
المنطقة الشرقية – الدمام
المملكة العربية السعودية
@snaaa_team

اترك رد

تسهيلات الاستخدام
حجم الخط
ارتفاع السطر
تباعد الحروف
×
إشعار GDPR:

تستخدم هذه الإضافة ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك وتوفير إعدادات إمكانية الوصول المخصصة. يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك وتسمح لنا بتذكر تفضيلاتك لحجم الخط ومخططات الألوان والميزات الأخرى لإمكانية الوصول. باستخدام هذه الإضافة، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط لهذه الأغراض. يمكنك حذف أو حظر ملفات تعريف الارتباط في إعدادات متصفحك في أي وقت. يرجى ملاحظة أن القيام بذلك قد يؤثر على تجربتك في الموقع.

Scroll to Top