بقلم : عاطف علي الأسود
حينما نتحدث عن التنمية المستدامة فإننا غالبا ما نتجه إلى المشاريع الصناعية والاقتصادية الكبرى ونغفل في كثير من الأحيان عن ثروات طبيعية منحها الله لهذا الوطن وتمتلك من القيمة الاقتصادية والصحية والبيئية ما يجعلها أحد أهم الأصول الوطنية التي تستحق العناية والاستثمار ومن أبرز هذه الثروات أشجار المانجروف المنتشرة على عدد من السواحل السعودية والتي تمثل نموذجا فريدا للتوازن بين البيئة والتنمية
وتحظى سواحل المنطقة الشرقية بنصيب وافر من هذه الأشجار وخصوصا في الجعيمة ورأس تنورة وصفوى وجزيرة تاروت والقطيف والجبيل إضافة إلى مواقع أخرى على امتداد الخليج العربي كما تنتشر في مناطق ساحلية أخرى على البحر الأحمر لتشكل منظومة بيئية متكاملة ذات أهمية استراتيجية للمملكة
ولعل النظرة التقليدية للمانجروف باعتبارها مجرد أشجار تنمو على حواف البحار لم تعد كافية في ظل ما أثبتته الدراسات الحديثة من دور محوري لهذه الأشجار في حماية البيئة وصحة الإنسان ودعم الاقتصاد الوطني حيث تعد من أكثر النظم البيئية قدرة على امتصاص الكربون وتنقية الهواء والمساهمة في الحد من آثار التغير المناخي الذي أصبح من أبرز التحديات التي تواجه العالم في الوقت الحاضر
ومن منظور الاقتصاد الصحي فإن القيمة الحقيقية لهذه الأشجار تتجاوز حدود البيئة إلى صحة الإنسان بشكل مباشر فكل مساحة خضراء تسهم في تحسين جودة الهواء وتقليل الملوثات البيئية تؤدي إلى خفض معدلات الإصابة بالأمراض التنفسية وأمراض القلب والشرايين كما تساعد في تعزيز الصحة النفسية وتقليل مستويات التوتر والقلق وتوفير بيئة طبيعية تساعد على ممارسة الأنشطة الرياضية والترفيهية
وهنا تظهر العلاقة الوثيقة بين البيئة والصحة حيث تشير العديد من الدراسات العالمية إلى أن الاستثمار في الوقاية البيئية يعد أقل تكلفة وأكثر جدوى من الإنفاق على علاج الأمراض الناتجة عن التلوث البيئي ولذلك فإن حماية المانجروف ليست قضية بيئية فقط بل هي استثمار طويل المدى في صحة المجتمع وتقليل الأعباء المالية على الأنظمة الصحية
كما تمثل هذه الأشجار حضانة طبيعية للحياة البحرية حيث توفر بيئة آمنة لتكاثر الأسماك والروبيان والعديد من الكائنات البحرية التي يعتمد عليها الأمن الغذائي والاقتصاد المحلي وتدعم استدامة الثروة السمكية التي تعد أحد الموارد المهمة للمجتمعات الساحلية
ومن جانب آخر فإن المانجروف تمتلك إمكانات سياحية كبيرة لم تستثمر بالشكل الذي يتناسب مع قيمتها الطبيعية والجمالية فالمشاهد الخضراء المتداخلة مع مياه البحر تشكل لوحات طبيعية نادرة يمكن أن تتحول إلى وجهات سياحية جاذبة للزوار من داخل المملكة وخارجها إذا ما تم تطويرها وفق أسس السياحة البيئية الحديثة
ويمكن إقامة ممرات خشبية ومسارات للمشي ومواقع لمراقبة الطيور ومراكز توعوية ومتاحف بيئية ومناطق مخصصة للرحلات البحرية والأنشطة التعليمية والبحثية بما يحقق التوازن بين المحافظة على البيئة وتعزيز العوائد الاقتصادية للمجتمعات المحلية
إن العديد من دول العالم استطاعت تحويل غابات المانجروف إلى مشاريع سياحية واقتصادية ناجحة تستقطب آلاف الزوار سنويا وتوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة وتدعم الأنشطة التجارية والخدمية المحيطة بها بينما ما زالت لدينا فرص واعدة يمكن البناء عليها لتطوير هذا القطاع بما يتوافق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي تركز على تنويع الاقتصاد وتحسين جودة الحياة وتعزيز الاستدامة البيئية
وفي هذا السياق تستحق الجهود التي تبذلها أرامكو السعودية والجهات البيئية المختصة كل التقدير لما قامت به من برامج لحماية المانجروف وإعادة تأهيله وزراعته في عدد من المواقع الساحلية وهو ما أسهم في المحافظة على هذا الإرث الطبيعي المهم وتعزيز الوعي المجتمعي بقيمته البيئية والاقتصادية
وأرى أن المرحلة القادمة تتطلب إعداد استراتيجية وطنية شاملة للاستفادة من غابات المانجروف على امتداد السواحل السعودية بحيث تجمع بين الحماية البيئية والتنمية السياحية والاقتصاد الصحي والاستثمار المجتمعي بما يجعل هذه الثروة الطبيعية جزءا من منظومة التنمية المستدامة في المملكة
إن أشجار المانجروف ليست مجرد نباتات بحرية تنمو على الشواطئ بل هي منظومة حياة متكاملة ومصدر للصحة والجمال والاستدامة ومورد اقتصادي وسياحي واعد يستحق أن يحظى بمزيد من الاهتمام والدعم والتخطيط وأن يتحول إلى أحد المعالم البيئية والسياحية البارزة التي تفتخر بها المملكة أمام العالم
——————————
عاطف بن علي الأسود
دراسات عليا في الاقتصاد الصحي و حماية البيئة- جامعة شفيلد المملكة المتحدة
باحث وإعلامي متخصص في الاقتصاد الصحي والاستدامة البيئية






