بقلم – عثمان بن حمد المزيني
ليس كلُّ من رفع صوته… صاحبَ فكرة.
وليس كلُّ من أتقن دغدغةَ المشاعر… يحملُ مشروعًا يُنفع الناس.
فهناك لونٌ من الطرح…
لا يخاطب العقل…
لأن العقلَ خصمُه.
ولا يستند إلى المنطق…
لأن المنطقَ يفضحُ عواره.
إنما يتسللُ إلى الناس من باب العاطفة…
يُحسنُ اختيار الكلمات،
ويُتقنُ تلميعَ الشعارات،
ويُلبسُ الأفكارَ الباليةَ ثوبَ البطولة…
حتى يظنَّ السامعُ أنه أمامَ حكيمٍ من حكماءِ الزمان،
وما هو إلا راعٍ يبحثُ عن قطيع.
هذا هو الطرحُ الاستنعاجي…
يُكثرُ من الصراخ…
ويُقلُّ من البرهان.
يُحسنُ إثارةَ الغضب…
ويفشلُ في بناءِ الحلول.
تجده دائمًا في الأطراف…
فإما أقصى اليمين حتى يخرجَ من الاعتدال،
أو أقصى اليسار حتى يفارقَ الحكمة.
أما الطريقُ الوسط…
فلا يروقُ له.
لأن الاعتدالَ لا يصنع جمهورًا سريعًا،
والحكمةَ لا تُباعُ في مزاداتِ العواطف.
يضعُ أمامَ أتباعه حزمةً من البرسيم الفكري…
شعاراتٍ براقة…
وكلماتٍ منمقة…
وحماسًا لا سقفَ له…
فتتقدمُ العقولُ المستنعجةُ مطمئنةً نحو المعلف،
غيرَ منتبهةٍ إلى أن الطريقَ ينتهي عند باب الجزار.
وحين تقعُ الكارثة…
ويظهرُ الخراب…
وتتكشفُ الأوهام…
لا يعتذرُ صاحبُ ذلك الطرح الاستنعاجي.
بل يبحثُ عن قطيعٍ جديد…
وبرسيمٍ جديد…
ومسلخٍ جديد.
فاحذروا ممن يُعطِّل عقولكم ليقود مشاعركم…
فالعقلُ قائدٌ أمينٌ إذا قُيِّد بالبرهان،
وسار خلف الدليل الواضح.
أما العاطفةُ إذا انفردت بالقيادة…
فقد تكونُ أسرعَ طريقٍ إلى الهاوية.
ولهذا…
فإن أهلَ الطرح الاستنعاجي على اختلافِ ألوانهم…
يلتقون وإن اختلفت شعاراتهم.
فمنهم من يبسطُ الشهوات حتى يهوِّن المنكرات…
ومنهم من يبثُّ الشبهات حتى يزعزع المعتقدات…
ومنهم من يؤججُ الصراعَ بين الرجل والمرأة…
تحت رايةِ النسويةِ المتطرفة…
أو الذكوريةِ المتطرفة…
وجميعُهم يشتركون في شيءٍ واحد…
أنهم لا يريدون منك أن تُفكِّر…
بل يريدون منك أن تنقاد.
فإذا رأيتَ من يطلبُ منك أن تُعطِّل عقلك…
فأدرك أن أولَ ضحاياه… أنت.
عثمان بن حمد المزيني
أبو حمد

