بقلم أمل حسين المولد
لم يكن في الأمر ما يستدعي الخوف ، فالأرض التي اعتادت الصمت لم تصرخ ، والسماء لم تنشق ، والبحر لم يغضب ، وكل ما حدث .. كان شيئاً مجهولاً مرّ من هنا…
شيء لا يُرى ، لكنه يُعرف من أثره.
ففي تلك الليلة، بدا القمر أقرب ، وكأن الضوء قد نسي المسافات ، وبدا النسيم أكثر دفئاً ، حتى إن أزهار اللافندر ، التي كانت تنام بهدوء تحت طبقات السكون ، رفعت رؤوسها كأنها سمعت اسماً تعرفه منذ زمن بعيد!
لم يكن زلزالاً يهدم المدن ، بل زلزالاً من نوع آخر ، لا يترك الشقوق على الأرض ، بل يتركها في الجدران التي بنتها الروح حول نفسها.
شقوقاً صغيرة تتسلل منها الفراشات ، ويعبر منها الضوء ، وتخرج منها الأغنيات التي ظلت حبيسة المواسم الماضية.
وحين مرّ ، لم ترتجف الأشياء من حولها ، بل ارتجفت الأشياء بداخلها… وارتبكت النجوم المعلقة في سقف الأحلام ، وركضت الطيور النائمة نحو النوافذ ، وأسرعت الفصول لتبدل أثوابها ، حتى ظنت أشجار الأمنيات أن الربيع قد أخطأ العنوان ، وقرر أن يولد فيها.
كانت تقف بهدوء كعادتها ، بينما لم يكن أحد يعلم أن تحت هذا السكون موجات ذهبية تتسع ، وأن تحت هذا الهدوء بحراً من الضوء يعيد رسم خرائط الروح.
حتى المرآة التي اعتادت أن ترى الملامح فقط ، أخذت ترى ما هو أبعد من الوجه ، ترى وهجاً خفيفاً حول العينين ، وتلك الابتسامة التي تشبه أول قطرة مطر تلامس أرضاً عطشى.
ومنذ ذلك الحين…
صارت الفراشات تزور أحلامها أكثر ، وصارت النوافذ تفتح نفسها قبل الصباح ، وصارت الأغنيات القديمة تستعيد أصواتها ، وكأن الكون كله يعلم سراً لا يعرفه أحد.
خفايا زلزال…
ظهرت في ارتجاف أرض ، وتصاعد دعوات ، وانحاء ضوء ، ودهشة قلب .. سمع نبضه للمرة الأولى!
زلازل قد بنى وطن وزرع في الروح ربيع!

